حين نتحدث عن حضور الإمارات في العالم، فإننا نتحدث عن تجربة استطاعت خلال عقود قليلة أن تقدم نفسها نموذجاً في التنمية والانفتاح والتعايش، وأن تبني علاقاتها مع العالم على مساحة واسعة من الحوار واحترام التنوع الإنساني. لكن ثمة سؤالاً ثقافياً يستحق أن نطرحه اليوم: هل وصل الأدب الإماراتي إلى العالم بالقدر الذي وصلت إليه التجربة الإماراتية نفسها؟
ليس السؤال متعلقاً بقيمة ما ننتجه من شعر ورواية وقصة ومسرح، فقد راكم الأدب الإماراتي تجربة تستحق القراءة، وبرزت فيه أصوات استطاعت أن تعبّر عن تحولات المجتمع وأسئلة الإنسان وعلاقته بالمكان والذاكرة والهوية. إنما السؤال يتعلق بما يحدث بعد أن يكتب الكاتب كتابه: كيف يصل هذا الكتاب إلى قارئ لا يعرف العربية؟ وكيف يتحول الكاتب الإماراتي من اسم معروف في محيطه الثقافي إلى صوت حاضر في المشهد الأدبي العالمي؟
هنا تحديداً يمكن أن يبدأ الحديث عن الأدب بوصفه أحد مسارات الدبلوماسية الثقافية الناعمة.
فالأمم لا تقدم نفسها إلى العالم بالاقتصاد والسياسة وحدهما، وإنما بما تكتبه أيضاً. والأدب، على وجه الخصوص، يمتلك قدرة مختلفة على الوصول إلى الآخر، لأنه لا يقدم له معلومات عن المجتمع، بل يسمح له بأن يدخل إلى تفاصيله الإنسانية، وأن يرى العالم من خلال عيون أبنائه. قد نحتاج إلى صفحات كثيرة لنشرح للآخر طبيعة المجتمع الإماراتي، لكن رواية جيدة قد تجعله يعيش هذا المجتمع، ويعرف بيته وبحره وصحراءه ومدينته وتحولاته وأحلام إنسانه.
ومن هنا تبدو الحاجة ملحة إلى النظر إلى ترجمة الأدب الإماراتي باعتباره مشروعاً ثقافياً استراتيجياً، لا مجرد مبادرات متفرقة لترجمة هذا الكتاب أو ذاك.
فالترجمة ليست مجرد نقل الكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما هي عبور ثقافي كامل. إنها تنقل الذاكرة والمكان والقيم والأسئلة التي تشغل المجتمع. وحين تنتقل رواية إماراتية إلى لغة أخرى، فإن القارئ لا يتعرف إلى حكاية فحسب، بل يدخل من خلالها إلى جزء من تاريخ الإمارات وتحولاتها الاجتماعية والثقافية، وإلى رؤية الإنسان الإماراتي لنفسه وللعالم من حوله.
ولذلك نحتاج إلى مشروع يختار بعناية ما يستحق أن يمثل الأدب الإماراتي في اللغات الأخرى، ويبحث عن المترجم القادر على نقل روح النص لا كلماته فحسب، ثم يضمن أن يصل الكتاب المترجم إلى الناشر والمكتبة والجامعة والقارئ والناقد في الثقافة المستهدفة. فنجاح الترجمة لا يقاس بعدد الكتب التي انتقلت من العربية إلى لغة أخرى، وإنما بقدرتها على الوصول إلى قرائها وصناعة حضور لها داخل الثقافة الجديدة.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال ما بذلته المؤسسات الثقافية الإماراتية من جهود واضحة في تعزيز حضور الأدب الإماراتي خارج حدوده المحلية، فقد أسهمت مشاركاتها المتواصلة في معارض الكتب والمهرجانات والملتقيات الثقافية الدولية، إلى جانب مبادرات الترجمة والنشر واستضافة الحوارات والفعاليات الأدبية، في فتح مساحات جديدة أمام الكتاب الإماراتي والتعريف بأصواته وتجربته لدى جمهور أوسع. وقد شكلت هذه الجهود قاعدة مهمة يمكن البناء عليها في المرحلة المقبلة، فالحديث عن تعزيز عالمية الأدب الإماراتي لا يبدأ من فراغ، بل من رصيد ثقافي تحقق بالفعل، والمطلوب اليوم هو استثمار هذا الرصيد وربط مسارات الترجمة والنشر والمشاركة الدولية ضمن رؤية أكثر تكاملاً واستدامة، تنتقل بالأدب الإماراتي من الحضور في الفضاء الثقافي العالمي إلى ترسيخ أثره ومكانته فيه.
والأهم أن مشروع الترجمة ينبغي ألا يقتصر على لغة عالمية واحدة. فحضور الإمارات اليوم يمتد إلى فضاءات ثقافية متعددة في آسيا وأوروبا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، ولكل فضاء منها أبوابه الثقافية واهتماماته وقراؤه. ومن هنا يمكن بناء خريطة لترجمة الأدب الإماراتي، تحدد الأعمال واللغات والأسواق الثقافية والمؤسسات والجامعات التي يمكن أن تستقبل هذا الأدب وتعرّف به.
لكنني أعتقد أن علينا أن نذهب خطوة أبعد من ترجمة الكتاب إلى صناعة حضور الكاتب.
فالكتاب المترجم وحده لا يصنع بالضرورة حضوراً ثقافياً. الكاتب نفسه يجب أن يكون جزءاً من المشهد: في مهرجان أدبي دولي، وفي حوار مع كاتب من ثقافة أخرى، وفي جامعة تناقش تجربته، وفي لقاء مع قرائه، وفي برنامج إقامة أدبية، وفي ملف ثقافي تقدمه مجلة عالمية.
إننا بحاجة إلى أن يصل الكاتب الإماراتي مع كتابه.
وهذا يعني أن الترويج للأدب الإماراتي يمكن أن ينتقل من الترويج للإصدارات إلى بناء أسماء أدبية إماراتية قادرة على تكوين حضور متصل في المشهد الثقافي العالمي. ويمكن تحقيق ذلك من خلال برامج منتظمة للمشاركة في المهرجانات الأدبية الدولية، وشراكات مع دور نشر ووكلاء أدبيين ومؤسسات ثقافية وجامعات عالمية، وبرامج للإقامة الأدبية والتبادل بين الكتاب الإماراتيين ونظرائهم من مختلف الثقافات.
وهنا تظهر قيمة أخرى للأدب الإماراتي ربما تكون أكثر أهمية في عالمنا الراهن، وهي قدرته على حمل رسالة التسامح والتعايش دون أن تتحول هذه الرسالة إلى خطاب مباشر.
حين يقرأ الآخر قصة تنتمي إلى البيئة الإماراتية، ويرى فيها الإنسان وهو يتعامل مع المختلف عنه، أو يقرأ نصاً يصور التحولات التي صنعت مجتمعاً تتجاور فيه ثقافات متعددة، فإنه يتعرف إلى قيم الإمارات من داخل التجربة الإنسانية نفسها. وهذه إحدى أجمل خصائص الدبلوماسية الثقافية: أنها لا تقول للآخر من نحن، بل تمنحه الفرصة ليكتشفنا بنفسه.
ولعل هذا هو المجال الذي يمتلك فيه الأدب الإماراتي فرصة كبيرة، لأن وراءه تجربة اجتماعية وثقافية تستحق أن تُروى للعالم. فالإمارات اليوم فضاء تلتقي فيه لغات وثقافات وجنسيات متعددة، وهذه الحياة اليومية المشتركة تفتح أمام الكاتب الإماراتي أسئلة جديدة حول الذات والآخر والهوية والانتماء والتنوع الإنساني. وإذا استطاع الأدب أن يحول هذه التجربة إلى أعمال فنية عميقة، ثم استطاعت الترجمة أن تحملها إلى العالم، فإننا لن نكون أمام أدب محلي مترجم، بل أمام خطاب إنساني قادر على المشاركة في النقاش العالمي حول التعايش وقبول الآخر.
لقد نجحت الإمارات في بناء جسور واسعة مع شعوب العالم في مجالات كثيرة، وربما آن الأوان أن يكون الأدب واحداً من أكثر هذه الجسور إنسانية.
فحين نعبر إلى الآخر بقصيدة أو رواية أو حكاية، فإننا لا نحمل إليه كتاباً فقط، نحمل شيئاً من ذاكرتنا ومكاننا وقيمنا وصورتنا عن الإنسان. وحين يعود إلينا قارئ من ثقافة أخرى وقد عرف الإمارات من خلال أدبها، نكون قد حققنا واحداً من أعمق أشكال التواصل الثقافي.
أن نجعل العالم يعرف الإمارات إنجاز مهم، ولكن الأجمل أن نجعله يقرأها.
*رئيس قسم اللغة العربية - جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


