أُجريت الانتخابات حتى الآن في 5 ولايات ألمانية، وكان آخرها ما تم في ولايتي برلين ومكلنبورج-فوربومرن في 20 سبتمبر الجاري، وقد سبق أن تناولتُ في مقال على هذه الصفحة المفاجأة التي انطوت عليها انتخابات ولاية سكسونيا-أنهالت في 6 سبتمبر بحصول حزب البديل اليميني المتطرف على 43.8 في المائة من الأصوات، مقترباً من الأغلبية المطلقة، غير أن نتائج انتخابات 20 سبتمبر أكدت أن هذه المفاجأة لم تكن حدثاً استثنائياً، ففي هذه الانتخابات تكرّرت المفاجآت، وإنْ تكن هذه المرة في اتجاهين متضاربين، فمن ناحية تكرّر سيناريو انتخابات ولاية «ساكسونيا-أنهالت»، بتصدر «حزب البديل» الانتخابات في مكلنبورج- فوربومرن، وإنْ بنسبة أقل قليلاً 38.2 في المائة، وذلك رغم تكتّل أحزاب أخرى ضده، غير أن الصورة اختلفت جذرياً في العاصمة برلين، حيث تفوّق حزب «اليسار» بشكل غير متوقّع، بتصدره الانتخابات بنسبة 25.7 في المائة، مما يمهّد الطريق لقيادة الائتلاف الحاكم في العاصمة، لكن القاسم المشترك في الحالتين تمثّل في تراجعٍ مدوٍ لحزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي الحاكم، حيث حصل في الانتخابات الأولى على 17.2 في المائة من الأصوات، ثم جاءت المفاجأة الأكبر بفشله المفاجئ في تجاوز عتبة الـ5 في المائة في ولاية ميكلنبورج-فوربومرن، وذلك بحصوله على 4.9 في المائة فقط من الأصوات، الأمر الذي حرمه للمرة الأولى في تاريخه من دخول برلمان الولاية.
ولا يبدو أن النتائج السابقة فيما يتعلق بصعود حزب «البديل» سوف تُمثّل استثناءً، إذ تشير استطلاعات الرأي إلى احتلال الحزب المرتبة الأولى وطنياً بنسبة تتراوح بين 28 و29 في المائة، ورغم استبعاد وصوله للسلطة في الأمد القريب، نظراً لتَحَشُّد الأحزاب التقليدية ضده، غير أن صعوده على هذا النحو لا بدّ وأن تكون له تداعياته الداخلية، وعلى أقل تقدير فإن هذا الصعود سيكون له أثره على استقرار الائتلافات الحاكمة، نظراً لعدم تجانسها، وبالذات بعد التراجع الواضح لقدرة الأحزاب الكبرى التقليدية على حشد أغلبية الناخبين، وتحوّل الخريطة السياسية إلى حالة من التشتت والاستقطاب الشديد بين القوى الصاعدة والقوى التقليدية، وإذا لم توجد استراتيجية ناجحة تعالج أسباب صعود اليمين المتطرف فلن يكون هناك ما يمنع استمرار صعوده، وصولاً إلى تحقيق الأغلبية المطلقة، ويُضاف لهذه السيناريوهات المختلفة الجدل بعد هذه النّكسات حول جدارة المستشار الألماني ذاته بالبقاء، بعد أن حقق حزبه في الانتخابات كما رأينا نتائج بالغة السوء وصلت إلى حدّ الفشل في دخول برلمان ولاية ميكلنبورج-فوربو مرن، الأمر الذي فتح الباب داخل الحزب الحاكم للتفكير في عملية استبدال للمستشار قبل انقضاء ولايته، بل لقد بدأ طرح أسماء بديلة لإنقاذ شعبية الحزب.
ولا يقف الأمر عند حدِّ صعود اليمين المتطرف، ذلك أنه من الواضح أن صعود اليسار ليس مقتصراً على برلين، ففي ولاية مكلنبورج-فوربومرن من المرجّح أن يُضْطَر الحزب «الاشتراكي الديمقراطي»، الذي حصل على 35.5 في المائة من الأصوات، للتحالف مع حزب اليسار التقليدي لضمان تشكيل حكومة محلية مستقرة واستبعاد اليمين، بل إن المفاجآت لا تقف عند صعود اليسار التقليدي، وإنما ثمّة صعود آخر لليسار الشّعبوي المحافظ الذي انشق عنه، والذي يدمج بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية اليسارية، كدعم الطبقة العاملة وتحقيق العدالة الاجتماعية والمواقف المحافظة بشأن الهجرة، والخلاصة أن انتخابات الولايات الألمانية الأخيرة كشفت عن صعود لكل من قوى اليمين واليسار، وهو ما ينبئ بتطورات مهمة في الخريطة السياسية لألمانيا بل لأوروبا ككل.
*أستاذ العلوم السياسية - جامعة القاهرة


