خلال تصفّحي لبعض مواقع التواصل الاجتماعي مررت على صور معروضة لبشر من البشرة السمراء وهي تعود لبداية القرن التاسع عشر، عندما كانت بعض الدول الغربية تعرض من خطفوهم من القارة الأفريقية في أجزاء مخصّصة لهم في بعض الحدائق العامة، ليزورهم العامة ويلقوا نظرة عليهم، وكانت أغلب التعليقات على الصور من العرب، والبعض كان يتعاطف ويدين تلك الممارسات وأن ديانتهم أكرمت الإنسان، والآخرون يرون أن ذلك هو المكان الطبيعي لهم، وتعليقات تؤكد أن التطور العقلي والنفسي والأخلاقي والحضاري الإنساني لا يزال محلك سر، وهنا كان لا بدّ من النظر للقضية بكل موضوعية لمعرفة الحقيقة العلمية التي تقلب موازين الأنثروبولوجيا العصبية.
إذا تجرّأنا على نزع القشور الأخلاقية والعاطفية التي تغلّف الخطاب الإنساني المعاصر، ووضعنا العنصرية تحت مجهر علم الأعصاب الإدراكي والأنثروبولوجيا التطورية، فإننا سنصطدم بحقيقة علمية صادمة ومزعجة للغاية للكثيرين: العنصرية ليست مجرد انحراف ثقافي طارئ، ولا هي مجرد خطيئة أخلاقية يمكن محوها بالخطب الرنانة، بل هي منتج بيولوجي وعصبي متأصّل بعمق في البرمجة التطورية للدماغ البشري. هذا الطرح لا يبرّر العنصرية، بل يفسّر لماذا فشلت آلاف السنين من الشرائع والندوات الإنسانية في استئصالها من الجذور. السؤال العلمي الأجرأ الذي يواجه العلماء اليوم ليس: كيف نمنع البشر من أن يكونوا عنصريين؟»، بل: «لماذا صُمّم الدماغ البشري بيولوجياً لكي يخشى المختلف ويقصيه؟».
من منظور علم الأعصاب التطوري، يتبين لنا أن الدماغ البشري لم يُصمم قط ليكون «كونياً» بطبيعته. ففي عصور ما قبل التاريخ، وفي بيئة أفريقية قاسية حيث عاش الإنسان الأول، لم تكن مجتمعات البقاء تتجاوز بضع عشرات من الأفراد المترابطين جينياً. في تلك الحقبة، كان التعرف السريع على «ابن العشيرة» مقابل «الغريب القادم من وراء التل» هو الفارق الفاصل بين البقاء على قيد الحياة والموت المحقق. أظهرت دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) الحديثة، التي أُجريت في معاهد عصبية مرموقة، أن مراكز الخوف والتحذير في الدماغ – وتحديداً اللوزة الدماغية (Amygdala) – تُطلق شحنات كهربائية عالية ومستجيبة بشكل فوري حين يتعرض الإنسان لوجوه أو سمات تنتمي لمجموعات بشرية غريبة عن محيطه المعتاد. أي أن الاستجابة العصبية الأولى تجاه «المختلف» ليست فكرة واعية، بل هي رد فعل دفاعي غريزي تُطلقه شبكة البقاء البيولوجية.
لكن المدهش علمياً، والذي يفسّر عجزنا المستمر أمام هذه الظاهرة، يكمن فيما يُطلق عليه علماء الأعصاب «التجريد العصبي من الإنسانية». أثبتت تجارب علمية دقيقة قادتها فرق بحثية في علم النفس الإدراكي أن الدماغ البشري، حين يُعرَّض لصور أو معلومات عن أفراد ينتمون لجماعات عرقية أو ثقافية خارج دائرته، يتعامل معهم أحياناً عبر شبكات عصبية تخص «الأشياء أو الجماد»، بدلاً من شبكات التعاطف البشري الخالص التي تُفعل حصرياً مع أبناء المجموعة الداخلية. بمعنى آخر، العنصرية تبدأ في الخلايا العصبية كآلية تصنيف دفاعية، حيث يُصنف «الآخر» بيولوجياً قبل أن يصل التصنيف إلى قشرة الدماغ الواعية (Prefrontal Cortex). ولكن هذا التصنيف ليس بالضرورة عنصرية، وما تم تعميمه في المجتمع لاحقاً والتعامل معه كمسلمات هو ما قاد لتأصيل العنصرية.
وهنا يبرز السؤال الأهم: إذا كانت العنصرية مبرمجة في دوائرنا العصبية التطورية، فهل نحن محكومون بالفشل الأبدي؟ الإجابة العلمية القاطعة هي: بالتأكيد لا. فالإنسان ليس مملوكاً لجيناته أو لآليّاته التطورية البدائية، وهنا تكمن عظمة «المرونة العصبية». فبالرغم من أن اللوزة الدماغية تطلق استجابة الخوف والتوجس الأولى، إلا أن قشرة الدماغ الجبهية – وهي مركز التفكير النقدي، والتحليل المنطقي، والوعي الأخلاقي – قادرة تماماً على كبح هذا الرد الغريزي وإبطال مفعوله، بشرط واحد: التعليم النقدي الواعي والتعرض المستمر والمتنوع للمختلف وإيضاح أن الاختلاف في المظهر الخارجي فقط، وليس في المنبع والجذور وفي الأجداد المشتركين منذ آلاف السنين القريبة. وفي مجتمعات اليوم مئات السنين على الرغم من أن هذا الطرح سيزعج دعاة النقاء العرقي ولكن الجينات لا تكذب.
الخطأ القاتل الذي تقع فيه النظم التربوية والاجتماعية حول العالم، هو التعامل مع العنصرية على أنها مجرد «عيب في الأخلاق» يُعالَج بالوعظ، بينما هي أيضاً «نمط إدراكي قديم» يجب تدريب العقل بوعي على تعطيله ومقاومته. إن فهم العنصرية كظاهرة عصبية وتطورية وليس مجرد موقف سياسي واجتماعي وثقافي وديني قبيح فقط، هو النقطة الوحيدة التي يمكن أن تضع البشرية على الطريق الحقيقي لبناء مجتمعات تتجاوز بدائيتها العصبية وتنتصر للإنسانية العاقلة.
هذه القضايا الإنسانية الكبرى لا يعالجها الوعظ الديني وسن القوانين فقط بقدر ما تعالج من خلال مراكز التفكير والأبحاث التطبيقية وبرامج الذكاء الاصطناعي التوليدي والتقنيات الحديثة المرتبطة بالمجتمع بكل ما فيه ارتباط وثيق، فتحرير العقل المنغلق يبدأ بتحرير من يُربي ويدرّب ويعلّم ويقود ذلك العقل.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات


