خلال الأشهر القليلة الماضية، واصلت الهند شراء كميات كبيرة من النفط الروسي وسط اضطراب خطوط إمدادات الطاقة بسبب الصراع المتعلق بإيران. لكن الهند تواجه الآن تحدياً قد يدفعها إلى الاختيار بين مواصلة شراء النفط وبين الحفاظ على صادراتها إلى الولايات المتحدة. ويمنح إقرارُ الكونجرس الأميركي «قانونَ ليندسي غراهام لفرض عقوبات على روسيا وإيران لعام 2026» الرئيسَ دونالد ترامب صلاحيةَ فرض رسوم جمركية تصل إلى 100% على كبار مستوردي النفط الروسي.

ولا يزال من غير الواضح طبيعة الرسوم التي قد يفرضها ترامب في نهاية المطاف، إذ إن ذلك سيزيد اضطراب سوق الطاقة، وقد يدفع أسعارَ النفط إلى الارتفاع أكثر.وصوّت مجلس النواب الأميركي بأغلبية 262 صوتاً مقابل 159 لصالح مشروع القانون، بينما أقرّه مجلس الشيوخ في أغسطس بأغلبية 86 صوتاً مقابل 11. وتُعد كل من الهند والصين وسلوفاكيا والمجر وأذربيجان أكبر خمس جهات مستوردة للنفط الروسي.

ولا يستهدف مشروع القانون الهند تحديداً، بل يهدف إلى قطع عائدات النفط عن روسيا وإضعاف اقتصادها، بما يعرقل حملتها العسكرية في أوكرانيا، ويدفعها إلى الجلوس على طاولة المفاوضات. كما يفرض رسوماً بنسبة 500% على الواردات الروسية إلى الولايات المتحدة، إلى جانب استهداف «أسطول الظل» الروسي. وبالنسبة للهند، يمثّل استيراد النفط من روسيا جزءاً مهماً من أمنها في مجال الطاقة. فباعتبارها اقتصاداً متنامياً ومن بين أسرع اقتصادات العالم نمواً، تحتاج الهند إلى الطاقة وتعتمد على الواردات لتشغيل اقتصادها. وفي ظل هذه الظروف، لا تملك نيودلهي خياراتٍ كثيرةً بشأن واردات الطاقة، لاسيما وأن روسيا كانت تقدم أيضاً شروطاً مواتية لبيع نفطها.

وزادت الهند مشترياتها من النفط الروسي بسبب اتساع الصراع في غرب آسيا، الذي عرقل حركة السفن في مضيق هرمز، فيما أصبحت البنية التحتية للطاقة في بعض الدول المنتجة عُرضة لاعتداءات، مما أثّر على أسعار النفط. وكانت إمدادات النفط الروسي تتسم بالاستقرار والقدرة على التنبؤ، مع تقديم موسكو خصومات متفاوتة للهند. وفي الشهر الماضي، شكّل النفط الروسي 65.9% من واردات الهند النفطية، بانخفاض قياسي نسبته 24% مقارنةً بالشهر السابق، وذلك بعدما احتفظت روسيا بجزء من إنتاجها من الخام، إثر استهداف مصافيها من جانب أوكرانيا.. بينما زادت الصينُ مشترياتِها من النفط الروسي. ومع إظهار حرب إيران سهولةَ تعطل حركة إمدادات الطاقة، تعمل الهند على تنويع مصادر مشترياتها من النفط، حيث زادت وارداتها من الخام الفنزويلي.

وأصبحت فنزويلا اليوم من بين كبار مورّدي النفط للهند. وقد ساعدت سياسة التنويع الهند على امتصاص جزء من تأثير حرب إيران على سلاسل إمدادات النفط، رغم أن ارتفاع أسعار الطاقة لا يزال يمثّل خطراً على الاقتصاد الهندي. والآن، إذا فُرضت عقوبات على النفط الروسي، ستضطر الهند للبحث عن مصادر أخرى للنفط، وستكون تكلفتها أعلى، مما سيزيد عجز الحساب الجاري.

كما أن ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة التكاليف في مختلف حلقات سلاسل التوريد، بدءاً من تكاليف النقل، وهو ما سينعكس في النهاية على ارتفاع الأسعار بالنسبة إلى المستهلكين. ومن ثم، تجد الهند نفسها في مأزق إذا قرّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب فرض رسوم جمركية، في مسعاه لدفع روسيا إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام ينهي الحرب في أوكرانيا.

وبالنسبة للهند، فلن تقتصر أضرار مشروع قانون الرسوم الجمركية على تقويض أمن الطاقة فحسب، بل سيفتح أيضاً نقطة ضغط جديدة في العلاقات الهندية الأميركية التي تمر أصلاً بمرحلة صعبة. ويتمحور السؤال الآن حول كيفية استخدام ترامب للصلاحيات الإضافية التي منحها إياه الكونغرس بموجب القانون الجديد، حيث زار كلٌّ من ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر موسكو بصفتهما مبعوثين للسلام، كما زارا كييف الشهر الجاري.

ويواصل ترامب أيضاً مساعيه الدبلوماسية مع موسكو، فيما يظل من غير الواضح كيف سينفذ بنود القانون.ويضيف التشريع الجديد مزيداً من الضغوط على العلاقات الثنائية، حيث يتعين على الهند توخِّي الحذر واليقظة، إذ يمكن فرض هذه الرسوم في أي وقت بإشعار مسبق محدود. ويقع التأثير الفوري الآن على اتفاقية التجارة الثنائية التي تتفاوض عليها الدولتان، والتي وصلت إلى مرحلتها النهائية. وتسعى الهند إلى ضمان عدم تحمُّل رسوم جمركية أعلى من تلك المفروضة على منافسين مثل فيتنام، فيما تضيف الرسوم المتعلقة بروسيا عنصراً غير متوقّع إلى المفاوضات.

وأي مستوى من الرسوم الإضافية التي تفرضها واشنطن سيؤثّر سلباً على الصادرات الهندية إلى الولايات المتحدة، التي تُمثّل أكبر سوق تصدير للهند، إذ ستكتسب دولٌ منافسة، مثل فيتنام وماليزيا وإندونيسيا وبنغلاديش، أفضليةً لأنها لن تواجه هذه الشريحة الإضافية من الرسوم. وبالنسبة للهند، فقد أدى هذا القانون الجديد إلى زيادة حالة عدم اليقين التي تكتنف علاقاتها مع الولايات المتحدة، وهي علاقات واسعة النطاق، لكنها تمرُّ حالياً بأكثر مراحلها صعوبة وتحدياً.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية - نيودلهي