عندما سافر الرئيس الصيني شي جين بينغ جواً إلى العاصمة الأميركية واشنطن، في 23 سبتمبر الجاري، لعقد قمة مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، توجه هذا الأخير إلى المطار واستقبله شخصياً في مراسم ترحيبية حافلة، شملت السجادةَ الحمراء وعرضاً جوياً عسكرياً. لكن في المقابل، فعندما زار ترامب بكين في مايو الماضي، لم يستقبله الرئيس شي في المطار.

ورغم مظاهر الاحتفاء البارزة التي رافقت زيارة شي لواشنطن، فإن لقاءات القمة بين الزعيمين لم تُثمر اتفاقيات جوهرية بين الجانبين لحل القضايا التي تفرق بين بلديهما، باستثناء الاتفاق على تأجيل المزيد من حروب الرسوم الجمركية. وتختلف المنافسة بين هاتين القوتين العظميين اختلافاً جوهرياً عن الحرب الباردة التي دارت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي بعد الحرب العالمية الثانية، إذ يعتمد الاقتصادان الأميركي والصيني اعتماداً وثيقاً على بعضهما البعض.

ويُعد السوق الأميركي منفذاً ضخماً للعديد من المنتجات الصينية، بما في ذلك المعادن النادرة والأدوية وآلاف السلع التي تلبي الطلب الأميركي على منتجات استهلاكية زهيدة وموثوقة، تتوفّر عبر شركات عملاقة للبيع بالتجزئة مثل «وول مارت» و«أمازون». وفي المقابل، تُعد الصين من أهم المشترين للتكنولوجيا الأميركية المتقدمة، مثل رقائق الكمبيوتر والطائرات المدنية، فضلاً عن المنتجات الزراعية والأفلام السينمائية.

ولم يكن هذا النوع من التبادل التجاري قائماً بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي أو الدول الشيوعية في أوروبا الشرقية السائرة في فلكه أثناء حقبة الحرب الباردة. ورغم العلاقة الاقتصادية الوثيقة بين الولايات المتحدة والصين، فإنهما تتنافسان بشدة على النفوذ العالمي. وتصر الصين على انتزاع ما تعتبره مكانتَها المستحقة كأهم دولة في العالم، كما كانت لقرون عديدة. بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على دورها باعتبارها قائدةَ العالَم الحر والقوة المهيمنة في نصف الكرة الغربي.

وتتجلى تلك المنافسة في السباق الحالي بين الدولتين سعياً للهيمنة على مجال تطوير الذكاء الاصطناعي العام، في ظل القناعة بأن الدولة التي تحقق التفوقَ التكنولوجي في هذا المجال قد تمتلك مصدراً استثنائياً للقوة الاقتصادية والعسكرية. كما تصر الصين على تعزيز نفوذها الإقليمي في شرق آسيا وربما جنوب آسيا أيضاً. وهي تدرك جيداً أن انخراط الولايات المتحدة في الشرق الأوسط قد تَعقَّد بسبب الصراعات في العراق وأفغانستان واستمرار المواجهة مع إيران.

ويتواصل التعزيز العسكري الصيني، حيث لا تزال بكين عازمة على إعادة تايوان إلى «دائرة الوطن» عبر الضغوط السياسية والاقتصادية، أو - إذا لزم الأمر- باستخدام القوة. لكن طموحات الصين الإقليمية المتزايدة تواجه تحديات مهمة من جيرانها، ولا سيما اليابان وكوريا الجنوبية وإندونيسيا والهند. ومن ثم، فإن الوضع الراهن للعلاقات الأميركية الصينية يشبه حالة من الانتظار والترقب.

فلا يرغب أي من البلدين في خوض حرب ضد الآخر، لكن التجربة المريرة التي شهدتها أوروبا في أوائل القرن العشرين تمثّل درساً مهماً، رغم التكلفة الاقتصادية الباهظة للحروب، والتي لا أحد يستطيع التنبؤ بكيفية انتهائها. ويرى منتقدو ترامب أن جهوده لاسترضاء الصين لن تنجح، بينما يبدو أن بكين تنتهج سياسةَ التريث والحذر. وستظل الطريقة التي ستتصرف بها قيادتا البلدين خلال العامين المقبلين واحدة من أكثر القضايا تعقيداً وأهميةً في عصرنا الحالي.

*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز ناشونال انترست - واشنطن