مشكلة النظام السياسي في إيران لم تبدأ بالنووي ولا بالنفوذ الممتد خارج الحدود، ولا راهناً في تضييق رئة مضيق هرمز على العالم!
إيران تعيش حالة «الثورة»، وتفاصيل هذه القضية الشائكة مشرعنة في مواد الدستور، وهذه إشكالية بحد ذاتها، فإذا تغير أبو القانون، فإن تغيير النظام سهل المنال.
نتطرق هنا إلى بعض تلك المواد التي تعتبر قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أي وقت.
الدستور ينص على النظام السياسي بحالته «الطائفية»، بمعنى أن المذهب الشيعي الاثنى عشري هو دين الدولة الإيرانية وديدنها السياسي، وإن تسمت بالجمهورية الإسلامية!ولا توجد دولة إسلامية ولاعربية، جعلت من مذهبها الديني جزءاً من مواد دستورها السياسي ولا نعرف ما يضير إيران لو وضعت الإسلام إطاراً عاماً لمجتمعها، ثم تركت بقية الكيانات حرة في ممارسة شعائرها الدينية وفقاً لمذهبها دون قيد أو شرط.
ولا يغيب عن إيران أن المذهبية الضيقة لم تشفع لدستور الاتحاد الأوروبي عندما اقترح الرئيس الفرنسي الأسبق جسكار ديستان «البروتستانتية» مذهباً للدولة الأوروبية الموحدة، لقد أفشلت إيرلندا الاستفتاء الخاص بتلك الجزئية الملغومة. وتكرر هذا الأمر في أميركا وفرنسا عندما محو الديانة اليهودية من دساتيرهم لأسباب سياسية، ولم يستمر ذلك طويلاً حتى جعلوا «العلمانية» مظلة وحيدة لوجود الأديان على قدم المساواة في جميع المجتمعات الغربية.
إيران «الرجل الأوحد» تحت مسمى «المرشد» الذي يدير الدولة بصورة مطلقة، ويحلق بها بأجنحة الغيبيات «المهدي المنتظر»، ترى كيف يمكن للدول التعامل معها وفق هذا النهج الغيبي البعيد عن إطار السياسات الخارجية العالمية؟! وقوله الفصل يعطل كل آليات الحوار والمؤسسات السياسية التي تدير الدولة خارج كل أساليب العلاقات الدولية التي لا تبنى على البعد الديني لأي دولة!
لقد أدار النظام الإيراني لعبة السياسة الداخلية بين فريقين يبدوان مختلفين محافظين بالمعنى المتشدد أو الصقور، والإصلاحيين أو الحمائم، وكلا الفريقين يعدان خاتماً واحداً في يد المرشد في مواجهة العالم، وعندما كان هذا الأسلوب لا ينطلي في إدارة الدولة، كانت المعارضة الداخلية وقود النظام الذي يحرق من تحت أقدام «الباسيج»؟!
أما أضحوكة «المستضعفين في الأرض» وادعاء واجب النظام للدفاع عنهم، وإن اخترق سيادة الدول المجاورة والبعيدة، فقد بطل سحر هذا الزعم في حرب غزة 7 أكتوبر 2023، وكذلك التخلص من معظم قادة «حزب الله» جملة وتفصيلاً تحت مبرر عندما تصل النار إلى «طهران» فلا مكان للدفاع عن هؤلاء «المستضعفين المساكين»؟!
بقي أمامنا شماعة «البعد القومي» الذي يستخدم غالباً في «الملف النووي» المفتوح على كل الاحتمالات السياسية في الخارج، وإسكات صوت الشعب بحجة الدفاع عن «الأمن القومي»، وضرورة تحمل الشعب مسؤولية دفع الضريبة في السلم والحرب.
وبالإضافة إلى كل ذلك يتجذر لدى النظام الإيراني الإصرار على «تصدير الثورة»، لا تصدير الحضارة إلى العالم، وهذا الإصرار الذي لا يخمد نيران الثورة المشتعلة بالصراعات لقرابة خمسة عقود، وهي مصرة على رفض التحول إلى دولة «طبيعية» يمكن للعالم التعامل معها بسهولة وبأريحية سياسية مقبولة.
*كاتب إماراتي


