أصبحت تجربة الإمارات في التسامح ومكافحة الإرهاب والتطرف النموذج الأمثل الذي يستطيع العالم أن يهتدي به في حماية الأوطان، وبناء العلاقات الحسنة مع البشر. وهكذا جمعت دولة الإمارات العربية المتحدة بين رحابة تحتضن اختلاف الناس، وشجاعة تواجه كل ما يهدّد الحياة وسلام الناس. وعلى أرضها التقت الأديان والثقافات، وتجاورت اللغات والذاكرات، ونشأت بين أهلها وساكنيها صلات من المودة جعلت كثيرين يجدون فيها موطناً للطمأنينة، ومستقراً للأحلام، ومكاناً يحبّونه بصدق.
وفي الحياة اليومية للإمارات يُعرف جوهر هذا التسامح، في زمالة العمل، وجوار البيوت، وفرحة يشارك فيها الصديق صديقه، واحترام يمتد إلى عقيدة الآخر ومقدساته. وللمودة على أرض البشر جذور تسري في النفوس، يغذّيها الأمان، ويرعاها العدل، ويمنحها حسن المعاملة دفءَ الحياة. فيجد القادم إلى الإمارات من صدق المعاملة ما يقرّب إليه أهلها، ومن كرامة العيش ما يصل قلبه بها، ومن الطمأنينة ما يجعل أيامه فيها عزيزة عليه.
كان التسامح في فكر الوالد المؤسس، المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، أصلاً من أصول بناء الدولة، وسمة من سمات رؤيته إلى الإنسان. ففي روحه اتسعت الرحمة، وفي رؤيته تواشجت قوة الوطن مع كرامة أهله، وامتد الخير إلى الإنسان حيث كان. وقد منح الإمارات من سعة فؤاده ما بقي حياً في أخلاقها، ومن حكمته ما صار هادياً لمسيرتها، كأن شيئاً من روحه يرافق كل خير تخرجه الإمارات إلى العالم.
وفي فكر صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، اتصل هذا الإرث بإرادة تحميه، وعزم جعل التسامح قاعدة في مسيرة الدولة وعلاقاتها. هو القائد الشجاع الذي واجه التطرف والإرهاب بوضوح الموقف وقوة العزيمة، وأدرك أن حماية الأوطان تستوجب مواجهة الفكر الذي يسعى إلى هدمها. وقد حمل مسؤولية القرار بما يقتضيه أمن الإمارات والمنطقة ومستقبل أبنائها، ومضى في مواجهة الجماعات المتطرفة، وكشف استغلالها للدين، وخطرها على الدول والمجتمعات.
آمنت دولة الإمارات العربية المتحدة بالسلام، آمنت بأنه المنطلق الذي يستطيع البشر أن يتعايشوا في رحابه، والطريق الذي تمضي عليه الشعوب إلى الازدهار، واللغة التي تبدّل الدمار بناء، والكراهية مودة، والخوف طمأنينة. وظلّت ترى في الأخوة الإنسانية رابطة تجمع البشرية على حب الأوطان وحرمة الحياة وكرامة الإنسان. فمن حق الناس أن يعيشوا اختلافهم في أمن، وأن يحمل كلٌّ منهم عقيدته وذاكرته دون أن تصبح سبباً لخصومة أو عدوان.
وهذا السلام يحتاج إلى شجاعة، شجاعة تحميه من خطاب الكراهية، وتواجه دعوات الانقسام، وتصدّ كل محاولة تتخذ من الدين ذريعة للإثارة والعدوان. لقد اقترن إيمان الإمارات بالسلام بحزمها تجاه التطرف والإرهاب بمختلف صوره، وبوضوحها في تسمية الأشياء بمسمياتها. ومن هذا النهج تتوجه رسالتها إلى دول العالم: إن سلام العالم مسؤولية مشتركة، وحمايته تستدعي موقفاً واضحاً من الأفكار والتنظيمات التي تهدّده.
وتتأكد بذلك أهمية موقف الإمارات المبكر والحازم: لا تسامح مع التطرف، ولا تهاون مع خطابه، فالأمن يبدأ من مواجهة الكراهية وتجفيف منابعها. وفي مقدمة هذه المنابع الخطب والفتاوى التكفيرية التي تزرع العداوة في النفوس وتمنحها مسوّغاً دينياً، والتهاون معها يفتح طريقاً إلى الفوضى ودمار الاوطان، إذ تُستباح حرمة الإنسان في القول، ثم تُستباح حياته في الفعل.
فالفكر الإرهابي يصوّر المختلف كافراً يستحق القتل، ويحكم على المجتمعات بالكفر، ويحتكر الحقّ، ويمنح أتباعه وهمَ التفويض الإلهي بالبغي والعدوان. ومن هذا المنطق استمدّت تنظيمات «الإخوان» الإرهابية و«السلفية الجهادية» و«داعش» و«القاعدة» مسوّغات جرائمهم، وسيظل قادراً على إنتاج جماعات أخرى ما بقي يجد من يروج له أو يحميه من النقد والتفكيك. تتبدّل أسماء التنظيمات، ويبقى الفكرالمتطرف والشاذ يغذّيها، ويختطف الشباب، ويحوّل حماستهم إلى وقود للخراب. ولذلك فإن مواجهة الإرهاب تقتضي ملاحقة الفكرة التي تلد الجريمة، وكشف زيف فتاوى القتل وإزهاق الأرواح.
لقد استحقّت الإمارات موقع الريادة بما أظهرته من شجاعة في هذه المواجهة، وما قدّمته من وضوح في كشف زيف التنظيمات المتطرفة وتعريتها من دعاواها العنيفة. ففي موقفها سبقٌ إلى إدراك الخطر، وثباتٌ على مواجهته، وإرادةٌ تعرف أن مصير الأوطان أعظم من أن يُترك للمساومة. وتلك قوة التجربة الإماراتية ورسالتها إلى العالم: أن يُصان السلام بشجاعة، وأن تُحمى الأخوة الإنسانية بحزم، وأن تظل حياة البشر وكرامتهم فوق كل تنظيم، وفوق كل دعوى تستبيحها.
*مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية.


