كانت فاطمة الزَّهراء المنصوريّ ثاني أمرأة تترأس الوزارة، بعد التونسية نجلاء بودن، والزّهراء تدرّجت في المسؤوليات، والبداية في الحزب المغربي الذي شاركت في تأسيسه «الأصالة والمعاصرة»، وهو العنوان الذي أُشبع بحثاً واختلافاً من قِبل المثقفين، من يريدها أصالة دون معاصرة ومن أرادها العكس، وتبوّؤ فاطمة الزَّهراء رئاسة الحكومة المغربية جاء متناسقاً مع عنوان حزبها، فإذا بحثنا في الأصالة وتراث المرأة العربيَّة بالذات، فسنجد نساء كثيرات تبوّأن مراكز في التاريخ، منهن من وراء الكواليس، وكان لهن الكلمة الفصل، ومنهن مَن أصحبن ملكات، بداية من أروى الصليحي باليمن، وشجرة الدّر بمصر، بمعنى لم يكن المنصب الأول ممنوعاً على النساء، أو أثار الحرب ضدها لجنسها، مع اختلاف الفقهاء ومؤلفي كتب الخراج، وكتب الأحكام السلطانيّة، لكنهم عنوا بأمر المؤمنين أو الخلافة، أي أن الذكورة تكون من أبرز شروط الإمامة.
غير أن منصب الوزير ظل محتكراً للرجال، حتى كسره العراق بتعيين أول وزيرة في المنطقة العربية، كذلك ظل منصب رئاسة الوزراء محتكراً للرجال، إلى أن كسرته تونس في تعيين رئيسة وزراء. أما بالبلدان الإسلامية خارج المنطقة العربية، فترأست الوزراء أكثر مِن امرأة، بل وظهر النساء رئيسات لبلدانهن، فتكون المرأة رئيسة البلاد ورئيسة الحكومة، أو ملكة ورئيسة وزراء من جنسها. لم نقل إن البلدان غير المسلمة مقيدة بشروط الجنس، إلا ما حصل في المشاركة في الانتخابات، وكانت في فترة سابقة حكراً على الذكور، ولم تستطع أميركا تصعيد امرأة للرئاسة، لكن ذلك اعتمد على الانتخاب، فلم يحالف المرأتين الحظ في الصعود لمنصب الرئاسة.
أما ما يخصُّ فاطمة الزهراء المنصوري، فقد صعدت في الانتخابات، بعد أن تبوّأ حزبها «الأصالة والمعاصرة» مركز الصدارة في الانتخابات، ورغم أنها المتقدمة في حزبها، لكن أُخذ بنظر الاعتبار خبرتها وتعليمها، فقد شغلت عمدة مدينتها مراكش، وكانت سليلة عائلة لها هذه العموديّة، وشغلت منصب وزير التراب الوطني، ومناصب عديدة نجحت بقيادتها، وهي القانونية بحكم تعليمها الجامعي بالمغرب والعالي بفرنسا، لهذا تم اختيارها، دون أن يكون جنسها مانعاً بذلك.
قد يسأل سائل ولماذا كل تلك العقود، والنساء موجودات في الأحزاب ويشاركن في الانتخابات، ولم تبرز واحدة منهن لهذا المنصب؟ إضافة لتأخر تعليم النساء في أغلب البلدان، لفترات طويلة، يأتي الحاجز الاجتماعي، فالمجتمع غير مهيأ لقبول تقدم المرأة إلى المناصب الأولى، فإذا خطأت المرأة يفسر بجنسها، مع أن أخطاء الرجال كوارث. لقد تعلّمت المرأة ودخلت عالم السياسة من أوسع أبوابه، والوزيرة التي تعيّنت في جرأة من نظام دولتها أصبحت الوزيرات تعادل كفة الرجال بالعدد. واحتاج ذلك إلى التدرج مع تقدم المجتمع وصياغة القوانين القاضية بالمساواة بين الجنسين، ومنع التمييز.
يضاف إلى التعليم والخبرات في اختيار المرأة أو الرجل لهذا المنصب أو ذاك، فتبقى للمرأة ميزات، عندما ترفعها عاطفة الأمومة والمسؤولية من بيتها إلى المجتمع، فينظر إليها أمّاً في ما يخوّلها منصبها، وهذه الخصلة إن مارستها صاحبة المنصب ستدعم نجاحها، مع تعليمها وخبراتها.
على العموم، إذا نجحت فاطمة الزهراء في ما أوكلت به، فهي تجربة تزيح التمييز ضد جنسها، وإنْ لم تنجح، فلا يُحسب على جنسها، فكم من رجل سعى وخاب مسعاه، وليس على المرأة أن تبذل جهداً مضاعفاً كي تحصل على كمال «الدين والعقل». هذا، وقديماً وضع أبو الطيب المتنبي (قتل: 354هج) قاعدة للأفضلية، رغم اختلاف الجنس: «ولو أن النّساء كمن عرفنا/ لفضلت النساء على الرِّجال/ وما التأنيث لاسم الشَّمس عيبٌ/ ولا التذكير فخرٌ للهلالِ»، ووفق هذه القاعدة قد يُقال في اختيار فاطمة الزَّهراء رئيسةً لحكومة دولتها.
*كاتب عراقي