يوماً ما شاهدت حفلاً بالهولوجرام لأم كلثوم وفي تلك اللحظة التي شاهدتها على المسرح طيف مغنية شعرت بأن ثمة شيئاً خاطئاً فلم أشعر بنفس التأثير الشعوري حين أستمع إلى أغنيتها وأكوّن صورتها في مخيلتي، أدركت أن هناك فارقاً كبيراً بين أن يعود الموتى كطيوف هولوجرامية وبين أن يكونوا طيوفاً شعورية في خيالنا، توقفت عند الموت كونه سلعة، فهو سلعة قديمة، ولكن تحويل الأحبة المفقودين إلى سلعة استثمارية. سألت ماذا بقي من قيمنا وخيالنا لم يتحول إلى سلعة؟
فلم يكتفِ السوق بأن يبيعنا ما نحتاج إليه، ثم ما نشتهيه، ثم ما لا نحتاج إليه أصلاً. لقد وصلنا أخيراً إلى آخر ما تبقى لنا دون أن يكون سلعة إنهم موتانا.
قرأت منذ أيام عن مشاريع لتكوين نماذج من الذكاء الاصطناعي، تتم تغذيتها بكل المعلومات عن المتوفى لبناء نموذج له يمكن استخدامه، كأن الميت ما زال معنا حياً، ولكن من يضمن لنا أن يتخلص النموذج من سيطرة الخوارزميات والمتحكمين فيها في أفكار طيف الميت؟
من يضمن أن يتحوّل النموذج إلى كائن مشوه الفكر والعقل والعاطفة من الميت. توقفت حين تذكرت وفاة أبي وذلك الحزن الذي عايشته ومازلت أعيشه في الحنين والفقد، لأدرك أن الحزن تجربة إنسانية خاصة تُعاش في صمت البيوت وظلمة الليالي الباردة.
لكنه في الزمن الحديث صار سوقاً جديدة، تتكئ على تقنيات الذكاء الاصطناعي، سوق يستقطب المستثمرين ويبني نماذج أعمال ويضع مؤشرات نمو. وصرنا نحن المثقلين بفقد أحبتنا في لغة هذه الشركات مستخدمين محتملين وصار كل البشر شريحة مستهدفة.
حين تتأمل المعادلة ببرود بعض رجال الأعمال، لا بقلب الإنسان. ستجد حقيقة واضحة يبني عليها هذا الاستثمار خطواته، فأي عميل أكثر طاعة من إنسان فقد أمه قبل أسبوع؟ إنه لا يقارن الأسعار ولا يقرأ الشروط ولا يسأل عن مصير بياناته هو مستعد أن يدفع أي شيء مقابل أن يسمع صوتها مرة أخرى. الحنين هو أقوى عاطفة بشرية وأضعفها مقاومة. والشركات لم تحاول أن تكتشف دواء للحزن، لكنها استطاعت أن تكتشف فيه مورداً مالياً لا ينضب حيث إن الموت لا يتوقف، والفقد يظل حاضراً والحنين يتجدّد مع كل ذكرى وكل عيد وكل مساء طويل. تكلفة تلك الخدمة تقارب اشتراكاً في منصة للأفلام. أي أن الأم الراحلة صارت باقة شهرية تجدّد تلقائياً، وإن لم تجدّد الباقة ستموت موتاً جديداً وتفقدها فقداً آخر، أو يمكن لأحدهم أن يلغي الاشتراك بضغطة زر لكن من يجرؤ على الضغط عليه؟!
نحن الآن أمام أذكى نموذج أعمال اخترعه الإنسان، مُنتج يكون فيه الانسحاب جريمة، والاستمرار وفاء. لقد حولوا الشعور بالذنب إلى آلية احتفاظ بالعملاء. والأفظع لم يأتِ بعد. حتى إن الباحثين في أخلاقيات هذه الصناعة حذروا من نماذج قد تتحوَّل فيها المحادثات مع أطياف الموتى إلى مساحة إعلانات. تخيل وأنت تحدث طيف أبيك الراحل عن همومك، فيقاطعكما عرض تجاري. هذا ليس خيالاً علمياً، بل خطة عمل. تبيع هذه الشركات لنا وعداً بأننا لن نضطر إلى الوداع. لكن هذا الوعد وهم، والأخطر أنه وهم يزيد الألم بدل أن يخففه. ففي كل محادثة، مهما بلغت النسخة من الإتقان، تأتي لحظة تنطفئ فيها الشاشة فتبدو كظلمة القبر. وفي تلك اللحظة يعود يقين الفقد من جديد، ولكنه يعود أشد قسوة مما كان.
لقد أدركت أن الإنسان لا يشفى من موت الأحبة حين يحاكى له طيف الميت، بل يعيش موتهم من جديد في كل مرة. ثم هناك السؤال الذي لا يُطرح في الإعلانات: ماذا يحدث حين تفلس الشركة؟
وفي يوم ما، يتلقى مئات الآلاف بريداً إلكترونياً مهذباً يخبرهم بأن الخدمة ستتوقف.. هكذا سيموت آباؤهم وأمهاتهم وأحبتهم مرة ثانية، لا بقضاء الله وقدره، بل بقرار من مجلس إدارة. أطلق باحثون على هذه الظاهرة وصف العمل الطيفي والأحياء الرقمي، لقد صار الموتى عمالاً لا يتقاضون أجراً، ولا يملكون حق الإضراب، ولا حق الرفض. بياناتهم تُستخرج، وأصواتهم تُستنسخ، وشخصياتهم تُعاد برمجتها، ليتحولوا إلى أرصدة في البنوك للمستثمرين وأرصدة من الحزن والحنين عند أحبتهم.
إن الخسارة ليست في المال، بل في شيءٍ أعمق وهو قدرتنا على الحزن ومعايشته وممارسة التذكر وبناء الخيال. ذلك الحزن الذي علمنا عبر آلاف السنين أن الحياة محدودة، وأن الحب ثمين لأنه زائل وأن الوداع جزء من المحبة لا نقيضها. إن تلك الشركات لا تبيعنا موتانا فقط إنها تبيعنا عجزنا عن تقبل الموت، ثم تؤجره لنا شهراً بعد شهر.
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.


