حصدت مقاطع فيديو «دونا ماريا»، وهي امرأة برازيلية سمراء البشرة في منتصف العمر، ملايين المشاهدات على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تتحدث بصراحة ومباشَرة، وتنتقد سياسات الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا. لكن «دونا ماريا» ليست ناخبة برازيلية، ولا حتى بشرية، بل صورة رمزية شديدة الواقعية أنشأها الذكاء الاصطناعي.
ومع خوضِ دولِ العالمِ انتخاباتٍ تتزايد فيها هيمنةُ الذكاء الاصطناعي، أصبحت البرازيل في مقدمة الدول التي تحاول تنظيم استخدام هذه التكنولوجيا في الانتخابات. وقد أصدرت المحكمة الانتخابية العليا قواعد تلزم بوضع علامات واضحة على المواد الانتخابية التي ينشئها الذكاء الاصطناعي، وتحظر استخدامَه لانتحال شخصية المرشحين.
وفي الولايات المتحدة، أصدرت 31 ولاية على الأقل تشريعاتٍ تتضمن قواعدَ مماثلةً. لكن «جي بي برانش»، مدير حوكمة الذكاء الاصطناعي وسياسة التكنولوجيا في منظمة «بابليك سيتيزن» الأميركية للدفاع عن حقوق المستهلك، يرى أن تنظيم الذكاء الاصطناعي في الانتخابات عالمياً ظل، مقارنةً بتهديدات أخرى، قضيةً ثانوية.
ويعاني المشهدُ السياسي في البرازيل من الاستقطاب وانتشار المعلومات المضلِّلة، التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يضاعف تأثيرَها. فمن التزييف العميق الذي يستهدف صحفيين بارزين إلى المقاطع الساخرة التي تنتقد المرشحين والمواد الانتخابية الرسمية، يكشف استخدام الذكاء الاصطناعي عن صعوبة ضبط التكنولوجيا حتى بالنسبة للحكومات الأكثر استعداداً. وتُعد الشخصيات الافتراضية («الأفاتار»)، مثل «دونا ماريا»، والتي يُطلق عليها أحياناً «شخصيات اصطناعية زائفة»، جزءاً من منظومة الذكاء الاصطناعي المتطورة باستمرار في البرازيل وباقي بلدان العالم.
 ويقول ماتيوس سواريش، رئيس المحتوى في مختبر «ألافيا» لرصد استخدام الذكاء الاصطناعي في الانتخابات، إن استخدام الذكاء الاصطناعي ليس سلبياً على الدوام، لكن حالاتٍ مثل «دونا ماريا» تثير قلقاً خاصاً، لأنها شخصيات شديدة الواقعية تتحدث عن السياسة ويمكن أن تؤثر في النقاش العام وفي تصورات الناخبين عن المرشحين والقضايا السياسية.وتكتسب المسألة أهميةً خاصةً في البرازيل، حيث لعبت المعلومات المضللة دوراً بارزاً في الانتخابات الرئاسية السابقة، عامي 2018 و2022. ويقول ديوغو رايس، أستاذ القانون الانتخابي في جامعة ماكنزي في ساو باولو، إن «الذكاء الاصطناعي التوليدي هو المستجد الأبرز» في انتخابات العام الحالي، وإن المحكمة الانتخابية العليا تشعر بقلق خاص من قدرته على تغذية الأخبار الزائفة.
وتقول كاميلا تسوزوكي، رئيسةُ الأبحاث في مركز الأبحاث البرازيلي غير الربحي «إنترنت لاب»، إن البرازيل «جُرفت بالمعلومات المضللة» في انتخابات 2018، عندما انتشرت أخبارٌ كاذبة عن مرشحين يساريين عبر تطبيقات المراسلة. وقد فاز الزعيم اليميني المتشدد جايير بولسونارو بالانتخابات.
وفي انتخابات 2022، خسر بولسونارو أمام لولا، لكن المعلومات المضللة بشأن نزاهة العملية الانتخابية استمرت، وبلغت ذروتَها في هجمات 8 يناير 2023 على المؤسسات الحكومية في برازيليا، بعدما ردد أنصار بولسونارو مزاعم عن تزوير الانتخابات، كان الرئيس السابق نفسه قد روّج لها.
وفي شوارع ريو دي جانيرو، يخشى حتى الناخبون المتمرسون في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي التعرضَ للخداع بالذكاء الاصطناعي، ويقولون إنه إذا لم ينتبه المرءُ للتفاصيل، فسيصدق ما يراه.
وقبل بدء حملة العام الجاري، سجَّل مرصدُ الذكاء الاصطناعي في الانتخابات 29 حالةً لصور رمزية شبيهة بدونا ماريا، رغم أن أياً منها لم يحظ بشهرتها. ووجد تحليلٌ حديثٌ أن محتوى دونا ماريا كان يحظى بمستويات تفاعل مماثلة لتلك التي تحظى بها بعض الشخصيات السياسية الوطنية. وقدم الائتلاف الداعم للولا شكوى قانونية طالبت بإزالة حساباتها، متهماً إياها بنشر معلومات كاذبة أو مشوَّهة يمكن أن تضلل الناخبين.
ويقول رافائيل ساتييه، عضو مجلس مدينة ريو دي جانيرو والمرشح لمجلس النواب على منصة مؤيدة لبولسونارو، إن فريقَه يتجنب عموماً الذكاء الاصطناعي التوليدي لتفادي المشكلات.
وتطبق البرازيل بعضَ أكثر القواعد صرامةً بشأن الذكاء الاصطناعي في الانتخابات، لأن المحكمة الانتخابية تملك صلاحيةَ إصدار القواعد والفصل في النزاعات، ما يسمح لها بالتحرك دون انتظار العمليات التشريعية البطيئة. لكن تطبيق القواعد يظل صعباً بسبب الكم الهائل من المحتوى على الإنترنت والمناطق القانونية الرمادية. فقد أزيلت حسابات دونا ماريا الرئيسية على تيك توك وانستغرام، لكن حسابات أخرى ظهرت لاحقاً، ولا يزال جزء من المحتوى متاحاً.
وتقول القواعد التنظيمية الانتخابية البرازيلية إنه لا يجوز نشر أو إعادة نشر المحتوى السياسي الذي ينشئه الذكاء الاصطناعي خلال الساعات الـ72 السابقة للتصويت والساعات الـ24 التالية له. لكن المراقبين يشعرون بقلق متزايد من تأثير روبوتات المحادثة مثل «تشات جي بي تي» و«كلود» و«جيميني». فقد أظهرت أبحاث وتجارب في بريطانيا والولايات المتحدة أن هذه الأدوات يمكن أن تؤثر في الآراء السياسية. كما تحظر القوانين البرازيلية كذلك على أدوات الذكاء الاصطناعي ترتيب المرشحين أو إبداء آراء بشأنهم، بينما أظهرت الأبحاث أن بعض روبوتات المحادثة في البرازيل لا تزال تفعل ذلك.
وتقول تسوزوكي إن حجم تأثير هذه العمليات والمنصات في قرارات الناخبين سيكون «السؤال الكبير في هذه الانتخابات»، مضيفةً أن الانتخابات ستكون بمثابة «اختبار للقدرة على التحمل».


*صحفية متخصصة في الشأن البرازيلي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»