سعدتُ، خلال مشاركتي الأسبوع الماضي في مهرجان «قافلة القراءة للمتعة» الذي تنظّمه مؤسسة الإمارات للآداب بالاستماع إلى محاضرة ألقتها الدكتورة «هي سون» من جامعة نانيانغ التكنولوجية في سنغافورة، طرحت خلالها مجموعة من الأفكار المهمة حول القراءة للأطفال، ليس بوصفها وسيلة لاكتساب اللغة والمعرفة فحسب، وإنما باعتبارها مساحة لبناء شخصية الطفل وعالمه الاجتماعي والعاطفي.
ومن أكثر الأفكار التي استوقفتني حديثها عن الاختلاف بين الطريقة التي يقرأ بها الآباء لأطفالهم في بعض البيئات الغربية والآسيوية، فالأمر لا يتعلق باختلاف الكتب بقدر ما يتعلق باختلاف الأسئلة التي نطرحها ونحن نقرأ، وبالزاوية التي ننظر منها إلى الحكاية وشخصياتها. في النمط الغربي، تميل القراءة إلى الاقتراب من العالم الداخلي للشخصية: ما مشاعر هذا الطفل؟ لماذا حزن؟ فيم كان يفكر عندما اتخذ هذا القرار؟ ماذا كنت ستفعل لو كنت مكانه؟ إنها قراءة تحفّز الطفل على فهم المشاعر والأفكار والدوافع، وعلى رؤية الموقف من وجهات نظر متعددة. وهذا ما تصفه بعض الدراسات بالتوجه المعرفي في القراءة، أي الاهتمام بالأفكار والمشاعر ووجهات النظر.
أما في بعض البيئات الآسيوية، فتأخذ القراءة اتجاهاً أكثر ارتباطاً بالسلوك والقيم والنتائج: هل كان ما فعله بطل القصة صحيحاً؟ ماذا ترتب على تصرفه؟ ما الدرس الذي نتعلمه؟ وكيف ينبغي أن يتصرف الإنسان مع أسرته أو أصدقائه ومجتمعه؟ وهنا تصبح القصة مناسبة للحديث عن المسؤولية والقواعد والقيم الأخلاقية والانسجام مع الجماعة. والبحث الذي عرضته المحاضِرة يميِّز بالفعل بين توجه معرفي يركز على الأفكار والمشاعر، وتوجه سلوكي يركز على الأفعال والقواعد والنتائج. وفي بيئة دولة الإمارات خاصةً والبيئة العربية عامةً، لا ينبغي أن يكون السؤال الأهم: أي الطريقتين أفضل؟ بل: لماذا نختار بينهما أصلاً؟
فالقراءة الحقيقية الغنية للطفل تستطيع أن تجمع بين الاثنتين. نستطيع أن نسأله: بم يشعر بطل القصة؟، ثم نسأله: هل كان تصرفه صحيحاً؟ ولماذا فعل ذلك؟ ماذا كانت نتيجة فعله؟ نساعده على فهم ذاته ومشاعر الآخرين، وفي الوقت نفسه نساعده على إدراك أن الإنسان يعيش وسط أسرة ومجتمع، وأن لأفعاله أثراً ومسؤولية. بهذا المعنى، لا تصبح القراءة درساً أخلاقياً مباشراً يفقد القصة متعتها، ولا تمريناً ذهنياً مجرداً ينفصل عن منظومة القيم، بل تتحول إلى حوار حي بين الطفل والكتاب ومن يقرأ معه.
وربما يكون هذا أجمل ما في القراءة المشتركة: أن الكتاب ليس هو الغاية وحده. فالحديث الذي ينشأ حوله، والأسئلة التي يطرحها الأب أو الأم، وما يقوله الطفل وما يتردد في قوله، كلها جزء من فعل القراءة نفسه. وتشير الأبحاث في سنغافورة إلى أن القراءة المشتركة ترتبط بتطور اللغة والمهارات الاجتماعية والعاطفية، وأن طريقة توجيه الوالدين للحوار أثناء القراءة قد تكون ذات أهمية إلى جانب مقدار القراءة واللغة المستخدمة فيها. وتزداد أهمية هذه الفكرة في المجتمعات متعددة اللغات والثقافات، فالقراءة باللغة الأم لا تحفظ الكلمات وحدها، وإنما تحفظ معها الذاكرة والقيم والهوية وطرائق التعبير عن المشاعر والعلاقات.
والطفل حين يستمع إلى قصة بلغته الأم لا يتلقى مفردات وتراكيب لغوية فحسب، بل يدخل إلى عالم ثقافي كامل، ويتعلم من خلال الحوار مع والديه كيف يسمّي مشاعره، ويفهم مشاعر الآخرين، ويميّز بين السلوكيات، ويتفاعل مع القيم التي تشكل بيئته الاجتماعية.
وهذه مسألة تستحق اهتماماً خاصاً في مجتمع الإمارات، بما يتميز به من انفتاح واسع وتعدد ثقافي ولغوي، وبحضور قوي للغة الإنجليزية في التعليم والحياة اليومية لدى شريحة كبيرة من الأطفال. فإتقان اللغات الأخرى مكسب مهم ينبغي تعزيزه، لكن ذلك يجب ألا يأتي على حساب حضور اللغة العربية في حياة الطفل اليومية، وخصوصاً في البيت وفي السنوات الأولى من عمره. فاللغة الأم ليست مادة دراسية فحسب، وإنما هي أيضاً لغة العلاقة بين الطفل وأسرته، ووعاء الذاكرة الثقافية والاجتماعية.
ومن هنا، ربما نحتاج إلى إعادة النظر في مفهومنا للقراءة المنزلية: فلا يكفي أن نشجع أبناءنا على أن يقرأوا، بل ينبغي أن نسأل أيضاً: بأي لغة يقرؤون، ومع من يقرؤون، وعمَّ يتحاورون بعد القراءة؟ إن تخصيص مساحة منتظمة للكتاب العربي داخل الأسرة، إلى جانب القراءة بالإنجليزية وغيرها من اللغات، يمكن أن يجعل من التعدد اللغوي مصدر ثراء لا سبباً لابتعاد الطفل عن لغته وهويته.
ولعل التحدي أمام الأسرة الإماراتية اليوم ليس أن تختار بين العربية والإنجليزية، بل إن تربي طفلاً يستطيع أن يتحرك بثقة بين اللغتين: يأخذ من اللغات الأخرى أبواباً أوسع إلى المعرفة والعالم، ويجد في العربية لغة وجدانه وذاكرته وقيمه وانتمائه.
وهذه مسؤولية لا تبدأ في المدرسة وحدها، بل تبدأ من البيت، ومن كتاب، ومن أب أو أم يجلسان إلى جوار طفل ويسألانه بعد انتهاء الحكاية: بمَ شعرت؟ وماذا تعلمت؟ خرجت من المحاضرة وأنا أفكر أن القراءة الخلّاقة للأطفال لا تنتمي إلى الشرق أو الغرب. إنها تأخذ من الأولى قدرتها على فتح أبواب المشاعر والخيال والتفكير، وتأخذ من الثانية حضور القيم والمسؤولية وفهم أثر السلوك. فحين نقرأ لطفل، لا نريد فقط أن نعلّمه كيف يفهم القصة، بل إن نساعده أيضاً على أن يفهم نفسه والآخرين والعالم من حوله.
*كاتب إماراتي


