يعتبر القول إن البنوك المركزية لا تحبذ صياغة سياساتها بناءً على أحوال الطقس المتطرفة بمثابة تقليل لحجم المشكلة البيئية، إذ لا يمكنها تجاهل التداعيات الاقتصادية لظاهرة «النينيو» القوية التي تعصف بآسيا.
ويمثّل الجفاف صدمةً أخرى كان يمكن للسلطات النقدية تفاديها، فقد أمضت سنوات في السيطرة على موجة التضخم التي أعقبت إعادة فتح الاقتصادات بعد الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية. وراقب المسؤولون بقلق فرضَ الولايات المتحدة تعريفاتٍ جمركيةً واسعةً، ثم اضطروا للتعامل مع الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة الناجم عن الحرب مع إيران. والآن تأتي ضربة جديدة من المناخ، بجانب تحدي التعامل مع ظاهرة وصفها أحد صانعي السياسات بأنها «غودزيلا».
ومن المرجح أن تزداد قوة هذا النمط المناخي، الذي تسبب في الجفاف بجنوب وجنوب شرق آسيا، ليتجاوز كافة الأرقام القياسية المسجلة منذ عام 1950، وفقاً لخبراء أميركيين. وتسبب الظاهرةُ اضطراباتٍ وتعطيلات في أسواق سلع مثل الأرز، وتسهم في نقص المياه، كما تبطئ حركةَ المرور في قناة بنما، مما يرفع تكاليف الشحن. وكان ضعف الرياح الموسمية أحد العوامل التي دفعت بنك الاحتياطي الهندي إلى رفع أسعار الفائدة منذ عدة أيام.
وسيسعى مسؤولو البنوك المركزية لتحديد أي جزء من التأثير سيكون عابراً وأي جزء يهدد بأن يصبح راسخاً في قرارات الشركات والمستهلكين. وتكمن المشكلة اليوم في أن المسؤولين لم يعُد لديهم متسعٌ من الوقت للانتظار ومراقبة التطورات.وترتفع عوائد السندات في تايلاند والفلبين، بما يعكس تجددَ الضغوط التضخمية. وقفزت أسعارُ الفائدة طويلة الأجل في الهند إلى أعلى مستوى خلال ثلاثة أعوام بعد تحول بنك الاحتياطي الهندي إلى موقف أكثر تشدداً. وتلقت مانيلا أنباءَ سيئةً الأسبوع الماضي، فبعد تباطؤ التضخم أربعة أشهر، تجاوز 7% في أغسطس، ما يعني أن تشديد السياسة النقدية مجدداً مطروح الشهر الجاري.
وأصبحت مصداقية هذه البنوك على المحك، إذ يمكن لصنّاع السياسات تجاهل صدمة أو اثنتين، ولكن إذا بدأت الصدمات تتراكم وتُفاقم بعضَها البعض، فإن رفاهية الانتظار تتلاشى. فقد تجنبت بعض البنوك المركزية رفع أسعار الفائدة عند اندلاع الصراع في الشرق الأوسط، وتحاول حالياً تدارك الموقف.
لكن هناك فرقاً مهماً بين الاستجابة لارتفاع معدلات التضخم الذي قد تسببه الظروف الجوية السيئة، ووضع السياسات استناداً إلى توقعات المناخ. ويجب أن تتحلى المؤسسات المالية، التي تخضع غالباً لتنظيم البنوك المركزية، بالقوة الكافية لتحمّل تأثيرات الطقس القاسي. كما أن الحرائق والفيضانات والتوقعات المتعلقة بالزراعة والنقل عوامل هامة في الصحة الاقتصادية للدول. لكن البيئة من المجالات التي اتُّهمت فيها البنوكُ المركزيةُ بتجاوز صلاحياتها.ومن المغري تولي مسؤولياتٍ إضافيةً، لا سيما عندما تبدو الهيئاتُ التشريعيةُ عاجزةً عن التعامل مع الظواهر الجوية بفاعلية أو في الوقت المناسب. لكن الإخفاق في المهام التقليدية، مثل استقرار الأسعار أو الحفاظ على سوق عمل متين، قد يؤدي إلى ردود فعل سلبية، مهما كانت المبادرات الأخرى جديرة بالاهتمام. ويكتسب الأمرُ حساسيةً خاصة في الولايات المتحدة، حيث تراجع الاحتياطي الفيدرالي عن بعض مشاركته في قضايا المناخ. وفي أوروبا، يستمر العمل، إذ قال مسؤول كبير في البنك المركزي الأوروبي هذا الشهر إن إنكار تأثير التغير البيئي على الاقتصاد تصرف متهور، وإن الأمر يتعلق بالاعتراف بالواقع أكثر من كونه توسعاً في نطاق المهمة.ورغم استقلالية الاحتياطي الفيدرالي في تحديد أسعار الفائدة، فإنه يراعي اتجاهَ الرياح السياسية.. فبعد أيام من سيطرة «الجمهوريين» على مجلس النواب، عام 2023، أعلن رئيسه جيروم باول أن البنك ليس جهة معنية بسياسة المناخ ولا يسعى إلى أن يكون كذلك. وقبل أيام من أداء دونالد ترامب اليمين لولاية رئاسية ثانية، انسحب البنك من شبكة تضم بنوكاً مركزية وهيئات تنظيمية تدرس مخاطر المناخ. وأكد باول أن الاحتياطي الفيدرالي سيبقى ملتزماً بمهامه الأساسية لحماية استقلاليته.
ولا تقتصر هذه المعارضة على أميركا فحسب، فقد خلصت مراجعةٌ مستقلةٌ لبنك الاحتياطي الأسترالي إلى أن تغير المناخ ينبغي أن يكون عاملًا في النماذج والتنبؤات، لكن السياسة تظل من اختصاص البرلمان. وقال كلاوديو بوريو، المسؤول التنفيذي السابق في بنك التسويات الدولية، إن الغرور أصاب صنع السياسات، وإن فجوة خطيرة اتسعت بين ما تستطيع البنوك المركزية تقديمه وما يُتوقع منها تحقيقه، منتقداً «السعي نحو أهداف بعيدة كل البعد عن التفويض» مثل «التحول الأخضر أو فكرة النمو الشامل».
وعادة ما يتلقى مسؤولو البنوك المركزية، عند توليهم مناصبهم العليا، هدايا تذكارية من أسلافهم المرموقين، مثل كوب قهوة يحمل عباراتٍ تشجيعيةً أو قطعة أثرية توثّق تاريخَ المؤسسة.. إلا أن هذا الجيل لا بد أنه يتمنى لو أنه تلقى بدلاً من ذلك بدلةً واقيةً من المواد الخطرة!
*كاتب متخصص في اقتصادات آسيا
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»


