كنت في مجلسٍ ضم مجموعةً من المشتغلين بالعلوم الشرعية والدراسات الإسلامية، ففتحت النقاش بسؤالٍ بدا بسيطاً: ماذا نعني بتجديد الخطاب الديني؟ سرعان ما اتضح أن الاتفاق على ضرورة التجديد أكثر يسراً بكثيرٍ من الاتفاق على معناه. كان بين الحاضرين من يرى أن التراث لا يعيبه شيءٌ، ومع ذلك يشدد على التجديد. سألته: أين يكون إذن؟ فأجاب بأن المطلوب تفعيل مناهج المتقدمين في النوازل، وتحديث أمثلة الفقه والأصول، فبدلاً من الخيل والجمال نتحدث عن السيارات والطائرات وبدلاً من الأقطار نتحدث عن الأوطان.
ثم يأتي الرأي المقابل من طرف المجلس الآخر: التجديد الحقيقي يبدأ من تجاوز بنية العلوم الموروثة، وبناء علومٍ دينيةٍ جديدةٍ تستمد أدواتها من الفلسفة والعلوم الاجتماعية واللسانيات. وبين الطرفين آراء تتراوح بين إصلاحٍ جزئيٍّ وإنكارٍ للحاجة أصلاً.
خرجت من ذلك المجلس بتساؤلٍ أشد إلحاحاً: حين يتحدث الجميع عن التجديد، هل يتحدثون عن الشيء نفسه؟
جانبٌ من الالتباس كامنٌ في العبارة نفسها، فالخطاب قد يتجدد بتغيير لغته وتقريب أمثلته، وتبقى المعرفة التي يحملها على حالها. لكن القضية الأعمق تتصل بهذه المعرفة وبالمناهج التي تنتجها، لهذا أميل إلى وصف التجديد بعبارةٍ أراها أكثر دقة: «إعادة النظر في المعرفة الدينية ومناهج إنتاجها».
لفظ التجديد ليس غريباً عن تراثنا، فقد روى أبو داود عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ من يجدد لها دينها». صحيح أن الحديث يثبت مشروعية التجديد، لكن لا يقدم لنا برنامجاً تفصيلياً جاهزاً لكل عصر. 
هنا تبدأ مسؤوليتنا: أن نميز بين المقدس بوصفه وحياً مرجعياً، وبين المعرفة الدينية بوصفها جهداً بشرياً في الفهم والتفسير والاستنباط والتأويل، فكل منتجٍ بشريٍ، مهما عظم صاحبه ومهما رسخت مدرسته، يبقى قابلاً للمراجعة والنقد والتطوير، إذ هذه طبيعة الإنتاج البشري. وهذا بطبيعة الحال لا يقتضي القطيعة مع التراث، إنما هو بناء تراكمي إنساني وجب علينا صقله ومراجعته بالتزامن مع تطور الزمان. وواجبنا في عصرنا الحاضر ينطلق من الاعتراف بفضل أولي الفضل، فنقرأ كيف نشأت علوم التفسير والحديث والفقه والأصول والكلام ومختلف العلوم الإسلامية، وما أسئلة عصرها التي أنتجتها، وكيف تطورت من طورٍ إلى طورٍ، وأين بلغت في نضجها. ثم نضع هذا الإرث في حوارٍ جادٍ مع ما راكمته البشرية من معرفةٍ، ولا سيما في العلوم الإنسانية، وعلى رأسها الفلسفة والمنطق، بوصفها أدواتٍ توسع قدرتنا على فهم الخطاب الديني بأرقى ما توصلت إليه العقول البشرية بمختلف أطيافها. 
ولا نغفل عن أمر في غاية الأهمية قبل إعادة قراءة ذلك الموروث وقبل التجديد، وهو مركزية النص القرآني الذي يجب على الخطاب الجديد أن يتوافق مع كلياته ومقاصده العليا كقيمة الرحمة التي جعلها الله غاية الرسالة ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]، والتعارف الذي جعله ثمرة الاختلاف ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 13]، والعدل الذي أمر به ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ…﴾ [النحل: 90]، وباقي القيم والمقاصد العليا. التي دعا إليها القرآن الكريم.
بهذه المرجعية يمكن أن نسأل العلوم والمناهج والفتاوى والمفاهيم: إلى أي حدٍ تقربنا من مقاصد الوحي؟ وإلى أي حدٍ تمكننا من التعامل الرشيد مع أسئلة عصرنا؟
إذا عدنا إلى ذلك المجلس مرةً أخرى، فلعل السؤال الذي يستحق أن نبدأ به لن يكون: كيف نجدد الخطاب الديني؟ سيكون السؤال: ما الذي نريد تجديده، وبأي مرجعيةٍ، وبأي أدواتٍ، وكيف نعرف أننا تقدمنا فعلاً؟ عندها فقط يتحول «التجديد» من شعارٍ يتفق عليه المختلفون إلى مشروعٍ معرفيٍ يمكن مناقشته وتقويمه.
*مساعد نائب مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية لقطاع الشؤون الأكاديمية.