تتداخل تصريحاتُ مرشحي الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية التي ستجري نهاية الشهر الجاري بصورة لافتة، ولا تركز على قضايا الداخل الإسرائيلي فقط، بل أيضاً على توجيه خطاب متطرف على مستوى الإقليم وعلاقات إسرائيل مع دول الجوار، حيث تتالت التصريحات العدائية في كل اتجاه والدعوات لاحتلال بعض المناطق مجدداً وطرد الفلسطينيين من أراضيهم وترحيلهم وإنهاء وجودهم.. إلخ، وغير ذلك من التصريحات الموجهة للاستهلاك الإعلامي، والسعي لبناء مقاربة عدائية مباشرة تجاه ما يجري من تطورات في الداخل، سعياً لاكتساب أكبر شريحة داعمة من الجمهور الإسرائيلي المنقسم وفق استطلاعات الرأي العديدة التي تُنشر في مختلف القنوات الإسرائيلية، والتي تختصر المواجهات الانتخابية بين رئيس الوزراء نتنياهو ومرشح حزب «يشار» الجنرال ايزنكوت، في ظل صراع لن تحسمه نتائجُ الانتخابات فقط بل سيمتد إلى مرشحي المعارضة، مما يؤكد أن السباق الانتخابي سيكون بالأساس بين شخصيات أغلبها اختبرها الجمهور الإسرائيلي من قبل وقد يتجه لتجريب قيادة عسكرية جديدة.
 وفي هذا الإطار تسعى الحملاتُ الإعلاميةُ للعمل في كل اتجاه، مع التركيز على إطلاق تصريحات غير مسؤولة وغير منضبطة، تعمل على تعزيز مركز المرشح سواء أكان في السلطة من قبل مثل نفتالي بينت الذي ترأس الحكومةَ من قبل أو كان وافداً جديداً مثل ايزنكوت أو يائير جولان، وهو ما يطرح إشكالياتٍ أخرى متعلقة بنمط التعامل أو التوجه الذي يركز عليه هذا المرشح أو ذاك. ولهذا يتجه كل المرشحين إلى تبنِّي سردية مختلفة تقوم على التحريض وإطلاق التهديدات في كل اتجاه، سعياً لاستقطاب مزيد من المؤيدين والداعمين، وهو أمر قد يغطي على الافتقار إلى مسارات أخرى يمكن التحرك من خلالها، خاصة أن إسرائيل تواجه تحديات كبيرة، مما يتطلب إعادةَ ترتيب الأولويات والمهام والاتجاه نحو توافقات وطنية لبناء مقاربة حقيقية ومواقف متماسكة، إلا فالبديل هو الذهاب إلى حرب أهلية.
 ستواجه إسرائيل، وذلك من منظور دوائر إسرائيلية منضبطة، إعصاراً إقليمياً كبيراً لا تفيد معه التصريحات غير المنضبطة أو الحملات الإعلامية الساخنة الممولة من طرف رجال مال وأعمال يسعون لتحقيق أهدافهم من وراء وصول بعض المرشحين وإبقاء الحالة الراهنة كما هي. 
 وكل ذلك يحدث في ظل صراع حزبي عقيم لا يفيد الدولة العبرية ولا يؤكد على تماسكها في ظل ما يجري من تطورات يتعين التعاملُ معها بمسؤولية، وليس من خلال إطلاق تصريحات نارية، خاصة أن أكثرية المرشحين لا يملكون رؤيةً لإدارة الدولة بالمعنى الحقيقي، حيث لا تتوافر لأغلبهم أيُّ خبرات سياسية أو اقتصادية للتعامل مع تحديات كثيرة ليست كلها أمنية أو عسكرية، مما يتطلب مقارباتٍ سياسيةً حصيفةً وليس الدخول في مزايدات من أجل الوصول إلى السلطة. وبالطبع فإن أجواءً مثل هذه تدفع إلى التخوف مما هو قادم من تطورات تمس أيضاً الداخل حيث تتفاعل أزمات التعليم والقضاء والمجتمع المدني 
تواجه إسرائيل إذاً مشكلات حقيقية في تعامل مرشحيها الحاليين انطلاقاً من رؤية ضيقة للغاية، الأمر الذي ستكون له تأثيراته الكبيرة، وقد يدخِلها في متاهات الساحة الحزبية الضيقة وأجنداتها الضيقة. 
 وانطلاقاً من تقييم ما يجري من مزايدات إعلامية وخطاب سياسي موجه ومضلل، ستواجه إسرائيلُ مساراتٍ متجاذبةً لا تتوافر فيها مساحة كافية من التوافقات الممكنة أو المتاحة، خاصة أن دعوةَ نتنياهو لتشكيل حكومة وحدة وطنية قد لا تكون مطروحةً إلا إذا جاءت الانتخابات لصالح مرشح حزب يشار، مع استبعاد أي وجود لممثلي الأحزاب العربية، ما يعني أن الخيارات المقبلة أمام مرشحي الانتخابات لن تكون واضحة، خاصة أن الجميع سيظل يساوم ويزايد مركِّزاً على خطاب دعائي خال من أي مضمون حقيقي، لاكتساب أصوات جمهور يتسم بقدر كبير من الرفض لأي تسوية سلمية، متبنياً نزعةً عسكريةً ورافضاً فكرةَ «حل الدولتين» كلياً. 
*أكاديمي  متخصص في الشؤون الاستراتيجية