حرك رجال ونساء بملابس مموهة بخفة وسط سهول غرب آيسلندا الشبيهة بسطح القمر. وكان هذا المطار العسكري مهجوراً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم استعادت الطبيعة أرضه، فنمت الأعشاب بين الصخور السوداء الممتدة إلى القمم البركانية.
ويصلح هؤلاء أجزاء من المدرج المتهالك استعداداً لاحتمال اندلاع حرب في الجزيرة النائية. ويكررون التدريب بصب الخرسانة في فجوات تحاكي أضراراً حقيقية، ثم تسويتها بألواح خشبية طويلة.
ورغم أن إصلاح المدارج نموذج كلاسيكي للخبرة العسكرية الميدانية، يتعلم هؤلاء المدافعون عن آيسلندا كيفية خلط الخرسانة قرب الدائرة القطبية الشمالية. لم يسبق لهم تنفيذ هذه المهمة في أقصى الشمال، لأن أحداً منهم ليس آيسلندياً.
إنهم مهندسون بحريون أميركيون من وحدات «سيبيز»، قدموا من قواعد في ميسيسيبي وإسبانيا، مع جنود احتياط أميركيين. ويشاركون في مناورات «نورثرن فايكنغ»، وهي تدريبات لحلف شمال الأطلسي «ناتو» بقيادة أميركية وتُجرى في آيسلندا كل عامين.
وتعكس المناورات التعاون والاستعداد بين دول عديدة، لكنها مسألة وجودية لآيسلندا التي لا تمتلك قوات مسلحة. وعلى مدى 75 عاماً، اعتمدت البلاد بالكامل تقريباً على الولايات المتحدة في الدفاع عنها. لكن الشكوك بشأن ذلك تصاعدت مؤخراً، وأصبح مستقبل أمنها يتجه نحو قيادة أميركية ومشاركة أكبر من دول أخرى، بينها ألمانيا وجيرانها في الشمال الأوروبي.
لا تعتزم آيسلندا إنشاء جيش رغم تزايد الاهتمام الروسي والصيني بالقطب الشمالي، لذا تستقطب الحلفاء. ويقول نيل ملفين، رئيس برنامج القطب الشمالي والشمال الأقصى في المعهد السويدي للشؤون الدولية، إن آيسلندا بنت أمنها على علاقاتها بالآخرين، التي تمحورت حول الولايات المتحدة، لكن هل تستطيع تعزيز علاقاتها الأخرى وتوسيع خياراتها؟
يرتكز أمن البلاد على اتفاق عام 1951 الذي أسند الدفاع عنها إلى الولايات المتحدة. وبدأت المخاوف عام 2006، حين أغلقت واشنطن قاعدتها القريبة في كيفلافيك بعد فترة الهدوء النسبي التالية للحرب الباردة، ما أثار استياء الآيسلنديين. ومؤخراً، زادت المخاوف بسبب تذبذب دعم دونالد ترامب للناتو وتهديداته بشأن جرينلاند، أقرب جيران آيسلندا.
وهناك أمل في انتهاء التوترات بشأن جرينلاند بعد توقيع الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة اتفاقاً دفاعياً جديداً في سبتمبر. ورغم تأكيد آيسلندا قوة علاقتها بواشنطن، فإنها تواصل بناء شراكات أخرى بفضل موقعها الاستراتيجي في الممر بين المملكة المتحدة وجرينلاند، الذي يعبره الأسطول الروسي للوصول إلى شمال الأطلسي. لذا تُعد البلاد «حاملة الطائرات الأكبر في القطب الشمالي» بالنسبة للغرب، وتسعى دول عدة إلى موطئ قدم فيها.
فقد أصدرت ألمانيا في 2024 نسخة محدثة من «المبادئ التوجيهية لسياساتها في القطب الشمالي»، حيث أصبحت قضايا الأمن في الشمال الأقصى، للمرة الأولى، على رأس أولوياتها. وتبع ذلك اتفاق دفاعي جديد العام الماضي يسمح لألمانيا بتشغيل ثلاث طائرات مراقبة بحرية من طراز «بي-8» انطلاقاً من آيسلندا، فيما تجهز برلين مركزاً لوجستياً دائماً في كيفلافيك. وقال متحدث باسم وزارة الدفاع الألمانية، إن بلاده تريد حضوراً أكبر عبر الطائرات والسفن والغواصات، وإن آيسلندا عنصر مهم في التعاون العسكري.
كما استخدمت قوة التدخل السريع المشتركة بقيادة بريطانيا آيسلندا مقراً لتدريب إقليمي، وأسهمت البلاد في تعزيز التعاون الدفاعي لدول الشمال الأوروبي، الذي يضم آيسلندا والسويد والدنمارك والنرويج وفنلندا.
ولا يتمثل دور آيسلندا في خوض القتال، بل في الدعم والتنسيق. ويقول دكتور ملفين، إن المسألة لا تتعلق بإنشاء كتيبة دبابات آيسلندية، بل بمساعدة الناتو على الدفاع عن آيسلندا، إذ لا يلزم امتلاك جيش للقيام بهذه المهام.
ولا يريد الآيسلنديون جيشاً وطنياً، فقد أظهر استطلاع لمؤسسة غالوب عام 2025 أن 72% يعارضون إنشاءه، إذ ليس جزءاً من هويتهم. ويقول هالغريمور أودسون، مدير مركز «إفروبوستراومار» البحثي في بروكسل: «نشعر بالأمان، فليس لدينا تاريخ من التأثر بالحروب».
وخلال المناورات، لمس أفراد «سيبيز» في مطار باترسون، الذي يعود إلى الحرب العالمية الثانية، استعداد الآيسلنديين للمساعدة، فحتى عند عدم توافر الأدوات المطلوبة، توفر السلطات المحلية ما تحتاج إليه القوات.
ورغم تحديات الطقس شديد البرودة والرذاذ المتساقط في آيسلندا، يحقق الفريق تقدماً جيداً، وسط إشادة الضباط الأميركيين بمن عملوا معهم من الآيسلنديين، الذين أثبتوا أنهم مضيفون في غاية اللطف والاحترافية. وقد أتاح هذا التعاون إنجاز أعمال أكثر مما تحقق في المناورات السابقة، وأسهم في بناء مستوى من الثقة، وهو أمر ضروري لقيام شراكة حقيقية.وهذا بالضبط ما تدرك آيسلندا أنها بحاجة إليه لمواصلة الدفاع عن نفسها في ظل غياب جيش نظامي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «كريستيان ساينس مونيتور»
كاتب متخصص في الشؤون الدولية


