منذ مئة عام تقريباً، حلق الأخوان رايت لفترة قصيرة في طائرتهما الثقيلة الخرقاء على ارتفاع 12 قدماً فقط فوق الكثبان الرملية في ولاية نورث كارولينا· والآن وبعد مضي مئة عام على ذلك الحدث، تبلغ البشرية تخوماً جديدة بعد قطع شوط آخر كبير الأهمية في تاريخها بوصول المركبة فوياجير1 إلى الحدود الفاصلة بين المجموعة الشمسية وفضاء ما بين النجوم، إذ أنها تبعد عنا الآن 13,5 مليار كيلومتر· وتقول وكالة ناسا إن فوياجير لن تبلغ مجموعة أخرى ، كمجموعتنا الشمسية، قبل 40 ألف سنة !
غير أن المركبة تواصل حتى الآن إرسال أنباء رحلاتها المدهشة على رغم أنها تبعد عن الأرض مسافة تعادل تقريباً 90 ضعف المسافة بين الأرض والشمس· وتنطلق فوياجير بسرعة 38 ألف ميل في الساعة، قياساً إلى الشمس، ويستغرق وصول البث من فوياجير إلى الأرض مدة نصف ساعة تقريباً، مع العلم بأن إشارات البث تنطلق بسرعة الضوء· ويقول كبير علماء فريق فوياجير إدوارد ستون: إذا لم تتحطم المركبة لسبب ما، فإن في وسعنا أن نستمر حتى عام 2020في تلقي الرسائل والصور أي عندما تتوقف مولدات الطاقة في المركبة عن العمل·
وربما تكون المركبة غير المأهولة فوياجير 1، التي أطلقتها وكالة ناسا في عام ،1977 قد وصلت فعلاً إلى الجزء الداخلي من تلك الحدود المعروفة باسم هيليوبوز، والتي تشكل بداية فضاء ما بين النجوم· وقد أفاد العلماء هذا الأسبوع عن وجود مؤشرات وبيانات توحي بأن المركبة قد دخلت إلى منطقة موجة الصدمة التي تُميز فضاء ما بين النجوم· وتتولد موجة الصدمة لدى اصطدام الرياح الشمسية بالغبار والغاز الموجود في فضاء ما بين النجوم، أما الرياح الشمسية فهي تدفق من الدقائق المشحونة التي تتسارع مبتعدة عن سطح الشمس بسرعات تفوق سرعة الصوت· لا يوافق جميع العلماء على أن المركبة قد بلغت تلك المنطقة، وقد تعرض استنتاج بعض العلماء إلى تحدي الأعضاء الآخرين من فريق فوياجير الذي يقول إن المركبة التي غادرت الأرض منذ 27 عاماً لم تشهد سوى تلال السفوح وليس الجبال نفسها على تخوم هذا الميدان المهم·
غير أن المعلومات المتنافسة تلقى الترحيب، كما يقول كبير علماء فريق فوياجير إدوارد ستون، وهو يضيف قوله: لقد مكثنا داخل هذه الفقاعة لمدة 40 سنة، وهو بذلك يشير إلى الغشاء المؤلف من الرياح الشمسية والحقول المغناطيسية المحيطة بالمجموعة الشمسية· والآن نحن في منطقة جديدة تماماً علينا· يقول الباحثون هنا إن ما يتعلمونه سوف يمنحهم قدرة وبصيرة نفاذة لاستقصاء واستكشاف العوامل التي تحدد الشكل المتمدد للمجموعة الشمسية، والعمليات التي تحكم كمية الأشعة الكونية التي تتلقاها المجموعة الشمسية من بقية أنحاء المجرة·
ويوحي بعض العلماء أيضاً بأن المعلومات التي جرى جمعها عند حافة المجموعة الشمسية من الممكن أن تساعد على تحسين التنبؤات بـالطقس الفضائي أو الأحوال الجوية الفضائية·
ومن الممكن أن يوفر ذلك معلومات أكثر عن العلاقة والتفاعلات ما بين الدقائق المشحونة المنطلقة من الشمس والحقول المغناطيسية الموجودة في داخل وما وراء موجة الصدمة · ويؤدي التفاعل قرب الأرض إلى توليد الهالات المتوهجة والشفق، ومن الممكن أن تؤدي إلى انقطاع الاتصالات اللاسلكية وتعطيل الأقمار الاصطناعية وإطلاق سلسلة من انقطاعات التيار الكهربائي· ومن الممكن أيضاً أن تتعرض الطائرات التي تحلق فوق المسارات الجوية القطبية، وعلى ارتفاعات شاهقة، إلى مستويات عالية نسبياً من الإشعاع·
ويرى علماء الفلك وعلماء الفيزياء الفلكية أن هذه المنطقة من الفضاء التي تبعد عن كوكب الأرض نحو 10 مليارات ميل (وهو رقم تقريبي بحد ارتياب قدره -/+ بضعة مليارات من الأميال)· وقد شاهد العلماء الصور التي التقطها تلسكوب هابل الفضائي للنجوم الأخرى، حيث اخترق حواجز الغبار والغاز التي تملأ فضاء ما بين النجوم· ويتوقع العلماء الآن أن تسنح لهم الفرصة لدراسة العملية على نحو مباشر·
ويرى بعض العلماء أن المركبة فوياجير قطعت عتبة المجموعة الشمسية وحدودها على نحو غامض· وقد سجلت القياسات الواردة من جهاز مثبت على المركبة فوياجير، (وهو مصصم خصيصاً للقيام بوظيفة كشف الدقائق المشحونة ذات الطاقة المنخفضة) أن هناك قفزة كبيرة في كثافة الدقائق بدأت تقريباً في يوم الأول من شهر أغسطس، عام ·2002ومن الممكن أن تكون القفزة متوقعة باعتبار أن الدقائق تتعرض للضغط الشديد في المنطقة التي أطلق عليها العلماء اسم هيليوشيث (حرفيا يعني الاسم غمد الشمس) وهي تقع ما بين منطقة الصدمة النهائية (حيث تبدأ الدقائق وقطع الشمس بتخفيف سرعتها والاصطدام بمواد نووية قادمة من أعماق الفضاء) ومنطقة الحد النهائي المعروف باسم صدمة القوس· ولم تتمكن مركبة فوياجير 2، التي انطلقت بعد إطلاق فوياجير 1 وتفصلها عنها مسافة 1,7 مليار ميل، من رؤية تلك القفزة في كثافة الدقائق المنطلقة من سطح الشمس·
ويضاف إلى ذلك أن الدقائق تدفقت في اتجاه يختلف عن اتجاه الدقائق الآتية من الرياح الشمسية، وذلك بحسب ما ورد