لدى دخولي عليه، كان الدكتور هنري ديك، يبسط خريطة ملونة كبيرة لقاع البحر على طاولة مكتبه، يتأملها ويقول إنه ومنذ أن كان طالبا بقسم الدراسات العليا في علوم البحار والمحيطات، ظل يأمل دائما في الإسهام ولو بقدر ضئيل جدا في معرفة الطريقة التي تجدد بها الأرض سطحها وتتشكل القارات· لكن اليوم فإن دكتور ديك وزملاءه في مؤسسة (وودز هول) لعلوم المحيطات والبحار، يبدو أنهم فعلوا أكثر مما كان يحلم به الدكتور· فقد تمكن هذا الفريق العلمي من التوصل إلى نوع جديد من التلال والمرتفعات الراسية في قيعان المحيطات والبحار· وفي سبيل الوصول إلى هذه النتيجة، استخدم الباحثون مجموعة من نتائج الخرائط والمسوح التي أجريت لقيعان البحار والمحيطات، ورفع عينات من الصخور الموجودة في نهايتين متضادتين للكرة الأرضية· وبذلك تمكن العلماء من تكوين أفكار ومعارف جديدة عن انتقال الطبقات التكتونية المستمرة للأرض·
وربما أسهمت هذه النتائج والبحوث في حل بعض الألغاز المستعصية المحيطة بالعمليات والآليات التي أدت إلى تشكل الطبقات التكتونية للأرض، ومن ثم إلى انقسام وزحف القارات عن بعضها بعضا· أما على ا لمدى البعيد، فربما تسهم الدراسات نفسها في توفير معلومات جيدة وأساسية عن الترسبات البحرية القيمة وثروات قيعان المحيطات·
تعليقا على هذا الحدث، قال جيسون فيبس مورجان رئيس شعبة بحوث البحار والمحيطات التابعة لمركز جيولوجيا البحار في جامعة (كيل) الألمانية، واصفا ما أحرز من نتائج حتى الآن، بأنه يمثل أكبر اكتشاف علمي في هذا المضمار· هذا وتمثل المرتفعات البحرية التي تنتشر في قيعان معظم البحار والمحيطات على نطاق العالم، مرقدا أساسيا للرواسب البحرية التي تتراكم في قيعان المحيطات بعد أن تخرج من أعماق سحيقة من داخل باطن الأرض· وتوصل الفريق العلمي الذي اضطلع بالدراسة، إلى أن لهذه الرواسب علاقة كبيرة بتجدد سطح الأرض، وبحركاتها التكتونية التي أدت في السابق إلى انفصال القارات وزحفها عن بعضها بعضا· ومما توصل إليه العلماء أيضا، أن هذه الرواسب تتحمل مسؤولية حوالى 90 في المئة من الأنشطة البركانية التي يشهدها سطح الأرض· ففي كل عام تنبعث صهارات الـ (ماجما) الصخرية المذابة من أسفل البحار وقيعانها، نتيجة للأنشطة البركانية التي تحدث في قيعان المحيطات ، وتنتشر بمعدل سرعة تصل إلى ما بين سبع إلى ثماني بوصات سنويا·
يذكر أن ديك ورفاقه في الفريق العلمي قد أخذوا عينة من صخور المرتفعات الهندية الغربية في ديسمبر من عام 2000· المعلوم عن هذه الصخور هو أنه قلما تمت دراستها مقارنة بالصخور الأخرى· ومن خلال النظر إلى تركيبتها وتكويناتها والوديان الموجودة في المنطقة وغيرها من التفاصيل التضاريسية الجيولوجية الأخرى، اتضح للفريق أنها تختلف فعلا عن غيرها من الصخور· ثم التفت الدكتور وفريقه في عام 2001 إلى صخور القارة المتجمد الجنوبية ومرتفعات (جاكيل) الشهيرة فيها· وكان فريق بحري أميركي، قد أنجز مسوحا وأعد خرائط تضاريسية جيولوجية عن قسم من هذه المرتفعات من على متن غواصة نووية تابعة لسلاح البحرية الأميركي في عام 1999· ومن بين النتائج التي توصل إليها الفريق المذكور أنه لاحظ وجود آثار لأنشطة بركانية في تلك المنطقة·
ولكن شدت الصخور البطيئة في حركتها على نحو خاص، انتباه الدكتور ديك وفريقه· ذلك أن النظريات المتوفرة عن سطح الأرض والأنشطة البركانية التي تشهدها تقول إن سطح الأرض في منطقة الصخور هذه بالذات، يكون عبارة عن الصهارة الخارجية للنشاط البركاني، وليس من عينة الصخور التي تتكون مباشرة نتيجة للنشاط البركاني·
ومن خلال استخدامه لكسارات الجليد الأميركية والألمانية، استطاع فريق ديك العلمي إعداد مسوح وخرائط جيولوجية أكثر تفصيلا ودقة لهذه المرتفعات· من الجوانب الإيجابية للرحلة الكشفية الأخيرة هذه، أنها تمكنت من مسح المناطق التي لم تصلها الغواصة النووية الأميركية المذكورة آنفا· ووصف الدكتور عمل فريقه في تلك البقعة الشاقة من الكرة الأرضية بأنه (عمل بطولي) بمعنى الكلمة·
وكان البعض قد تشكك في أن تكون التكنولوجية الصوتية مجدية، طالما أن الصوت الصادر عن كسارات الجليد، سيبتلع أية أصوات ربما تصدر عن قاع المحيط· غير أن الفريق بذل جهدا إضافيا في تنقية أصوات المحيط من أية أصوات خارجية أخرى صادرة عن كسارات الجليد· ولدهشة الفريق، فقد لاحظ تشابها كبيرا جدا بين هذه الصخور والمرتفعات الموجودة في منطقة المحيط المتجمد الجنوبي، وتلك الصخور التي كان ديك وفريقه قد أعدا لها خرائط ومسوحات جيولوجية قبل ستة شهور في منطقة الهند الجنوبية الغربية· وبينما كانت القشرة الخارجية الجديدة لسطح الأرض، قد تشكلت من صخور عادية لا علاقة لها بأي نشاط بركاني، أوضحت عينات أخرى من الصخور في المنطقة الجليدية الجنوبية نفسها أن أجزاء من تلك القشرة قد تكونت جراء نشاط بركاني عنيف شهدته قبل مدة ليست بالبعيدة· ولاحظ الفريق أن تلك الأنشطة البركانية كانت قد حدثت بم


