تهبط مركبة إنزال فضائية أوروبية على كوكب المريخ هذا الأسبوع، في عملية تشكل انطلاق هجوم دولي بشري لم يسبق في التاريخ أن تعرض له الكوكب الأحمر· وقد استعد العلماء في يوم الجمعة الفائت لإطلاق مركبة روبوتية من السفينة الأم لاستكشاف جزء صغير من الكوكب بحثاً عن آثار جيوكيميائية لحياة كانت على الكوكب في الماضي، أو ما تزال مستمرة حتى الآن·
ويشكّل إطلاق المركبة (بيجل2) من المركبة الأم (مارس إكسبريس) التي ستبقى في المدار، حدثاً بالغ الأهمية يمتد على مدى شهر ونصف ويؤذن ببداية مرحلة جديدة متميزة في سياق الاستكشاف الدولي لكوكب المريخ ·
وإذا سارت العملية وفقاً للمخططات الموضوعة، فإن من المترقب أن تقوم مركبة الإنزال التي تطلقها وكالة الفضاء الأوروبية بالهبوط يوم 25 ديسمبر لتبدأ عملية استكشاف واستقصاء لسطح الكوكب الأحمر تستمر لستة أشهر· وتحمل المركبة الروبوتية (بيجل2) على متنها مختبراً كيميائياً وجيولوجياً مصغّراً لتنفيذ مهمة البحث عن أدلة تؤكد وجود حياة هناك، لتكون أول مركبة من نوعها منذ قيام الولايات المتحدة بإطلاق مهمات (فايكينغ) في منتصف عقد السبعينيات في سياق البحث عن أدلة على وجود حياة على الكوكب الأحمر·
ومن المقرر بعدئذ في شهر يناير من العالم الجديد أن تقوم مركبتان جوالتان أميركيتان، كل منهما بحجم عربة ملاعب الغولف، بالهبوط على الكوكب وبدء عملية تجول واسعة على مدى ثلاثة أشهر متعاقبة لمساعدة العلماء على أخذ قياسات الهدف منها استكشاف تاريخ مناخ كوكب المريخ·
ومن المعلوم أن تاريخ مناخ المريخ مدوّن في التركيب الكيميائي لصخور الكوكب وفلزاته المعدنية المكشوفة والمرصوصة على هيئة طبقات الكعكة على طول جدران الوديان والحفر· ويشكّل ذلك التاريخ مفتاح الإجابة على سؤال استحوذ على اهتمام البشر وأسر خيالهم على مدى نصف قرن،فهل من الممكن أن يكون المريخ قد استضاف الحياة ولو بأشكالها الأكثر بساطة؟
يقول (أوغستين تشيكارو) وهو العالم المعني بمشروع مهمة (مارس إكسبريس/بيجل2): (إن كوكب المريخ يشكل سحراً آسراً على ضفاف الأطلسي(أي في أميركا وأوروبا)·) وقد أطلق المعنيون اسم (بيجل2) تيمناً باسم السفينة (بيجل) التي حملت العالم (تشارلز داروين) في رحلته الاستكشافية الشهيرة التي طاف بها حول العالم·
لكن المريخ قد يكون أيضاً وجهة لا تسمح بحدوث أية أخطاء ولا تغفر للبشر أية هفوة· ففي يوم 9 ديسمبر، أعلن اليابانيون أن المركبة الفضائية (نوزومي)، التي كان من المقرر انتقالها إلى مدار حول المريخ يقع فوق خط الاستواء في الكوكب، سوف تبقى في مدارها الحالي حول الشمس·
وقد كان من المفترض أن تقوم المركبة (نوزومي) التي تم إطلاقها في عام 1998، بتنفيذ تجارب مشتركة مع مركبة (مارس إكسبريس) التي ستنتقل إلى مدار حول المريخ يقع فوق القطبين وذلك بعد أن تقوم بإطلاق مركبة الإنزال (بيجل2)· غير أن المعهد الياباني للفضاء والعلوم الفضائية فقد الاتصال مع المركبة (نوزومي) بعد أن أدى الوهج الشمسي إلى تسخين بعض الرادارات فيها فتسبب باحتراقها وإعطابها؛ وقد أخفقت الجهود الرامية إلى إعادة الاتصال مع المركبة (نوزومي) فبقيت في مدارها الحالي حول الشمس·
وقد اختارت وكالة الفضاء الأوروبية منطقة أشبه بالحوض تقع فوق خط الاستواء المريخي مباشرة لتكون نقطة هبوط المركبة (بيجل2)· وتشكل منطقة الهبوط المختارة نقطة تقاطع أو مفترق طرق جيولوجي، كما أوضح الدكتور (تشيكارو)· هناك تشكيلات بركانية إلى الغرب من منطقة الهبوط، في حين توجد إلى الجنوب تضاريس أقدم منها جيولوجياً· أما الحوض نفسه فمن الممكن أنه تشكل بسبب وجود بحيرة ضحلة في زمن ما، ولذا فإنه قد يحتوي الآن على صخور رسوبية· ومن الممكن أن الجرم أو الجسم، الذي قام بتشكيل الحوض لدى اصطدامه بسطح كوكب المريخ، قد أدى إلى نشر كميات كافية من الحطام على المنطقة المحيطة بنقطة الاصطدام، ويتوقع العلماء أن يجدوا فيها تشكيلة متنوعة من مختلف الصخور ينتقون منها ما يناسب عمليات الاستقصاء التي ستقوم بها المركبة (بيجل2)·
وقد يكون التركيب الجيولوجي مركز اهتمام العلماء المعنيين بدراسة الكوكب، غير أن العالم كله سيحبس أنفاسه في ترقب وإثارة ليرى ما إذا كانت (بيجل2، التي يبلغ وزنها 32 كيلوغراماً (71 رطلاً)، قادرة على اكتشاف وجود أدلة على وجود حياة حاضرة راهنة أو حياة اندثرت في الماضي، وذلك عندما تقوم بتشغيل مختبرها الكيميائي وأجهزة الاستشعار وما تحمله من معدات الحفر وسحب وطحن العينات·
يبدو ذلك الاحتمال أقل ترجيحاً بعد مهمتي (فايكينغ) الأميركيتين، حيث لم تتمكن المركبتان في منتصف عقد السبعينيات من العثور على أدلة تؤكد وجود حياة في عينات التربة المأخوذة من سطح المريخ· غير أن نطاق بحث المركبتين اقتصر آنذاك على موقعين اثنين، وقد أخذتا العينات من تربة الطبقة السطحية ومن عمق لا يتجاوز ميلليمترات قليلة من المعلوم أن الأشعة الشمسية فوق البنفسجية تخترقها فتقوم بتعقيمها والقضاء على أشكال الحياة


