لا يشكو أحد بالتأكيد من قلّة عدد القنوات "المُتلفزة"، سواء المحلية أو الخليجية، فالأقمار الصناعية باتت محمّلة بكلّ ما هو غثّ وسمين من الفضائيات العربية التي فاق عددها الاحتياجات والتوقعات، ولكن ما يلاحظ أن الإعلام التلفزيوني غائب تماماً عن ملاحقة الطفرات الاقتصادية الهائلة في منطقة الخليج العربي. صحيح أن هناك بعض القنوات الاقتصادية المتخصصة، ولكن بعضها لم يزل يتلمس الخطى، في حين أن بعضها الآخر لم يحظَ بعد بالحدّ المقبول من معدلات المشاهدة في منطقة تصحو وتنام على أخبار الأسهم والعقارات وأسعار النفط والغاز والمشروعات التي تعبّر عن واقع تنموي متسارع.
المفترض أن الواقع الخليجي مهيّأ تماماً لنمو الإعلام الاقتصادي التلفزيوني المتخصص، ويبدو أن تخصصية هذا الفرع وما يتطلبه من حرفية وتقنية وكوادر مؤهلة لا تجعله مغرياً في نظر الكثير من مستثمري الإعلام وهواة الربح السريع من الرسائل النصية التي تحوّلت إلى هدف تتزاحم عليه معظم الفضائيات. ورغم وجود تنامٍ نسبي في مستوى الاهتمام بالصحافة الاقتصادية المتخصصة خلال السنوات الأخيرة، فإن هذا الاهتمام لم يطور بعد ليأخذ شكل صحف أو دوريات اقتصادية متخصصة سوى تلك التي تصدر عن الغرف التجارية وبعض الجهات الرسمية الأخرى ويغلب عليها الطابع الرسمي، سواء في المعالجات التحريرية أو في مساحات الانتشار والتوزيع، ناهيك عن أن التلفزيون ربما يبدو الوسيلة الأكثر انتشاراً والأسرع وصولاً ومقدرة على النفاذ إلى المتلقّين المتعطّشين للثقافة الاقتصادية وأبجديات التعامل في أسواق الأسهم والعقارات وغير ذلك، فضلاً عن أن الكثير من الصفحات الاقتصادية المتخصصة في الصحف اليومية والبرامج والنشرات التلفزيونية الاقتصادية تعتمد على ما تنتجه وكالات الأنباء العالمية وتغطياتها الإخبارية والتحليلية للواقع الاقتصادي الخليجي، ولم تنتقل معظم هذه المصادر بعد إلى مربّع صناعة الخبر، بل إن ما تقدمه اعتمادا على الذات ربما يسقط في فخ الدعاية والترويج والتأثير في أسواق الأسهم، سواء عبر ترديد شائعات أو تحليلات مغلوطة أو أخبار موجهة ترمي إلى دفع بوصلة السوق إلى وجهات محددة!!
إننا لم نمتلك بعد إذاً ناصية الإعلام التلفزيوني الاقتصادي المتخصص الذي يرتقي إلى مستوى ما تشهده المنطقة من تطور اقتصادي، ولم تتطور النشرات الاقتصادية لتقدم بوسائل مبسطة وسهلة وجذابة تراعي المستويات الفكرية والثقافية لجميع المتلقّين، وتعمل على نشر الثقافة الاقتصادية، وما زال الكثيرون يستثمرون في البورصة ويترددون عليها يومياً من دون إدراك ماهية المصطلحات والمفاهيم التي تتردد في قاعات التداول وتستخدم في التعامل اليومي، مما يسهل خداعهم ويغذّي فرص التأثر بالشائعات والمخاوف النفسية.
نشر الثقافة الاقتصادية عن طريق الإعلام التلفزيوني المتخصص، بات أمراً حيوياً في ظل التوسع الهائل في شرائح المهتمين بالشأن الاقتصادي في دولنا الخليجية، فالغالبية تهتم بأخبار أسواق الأسهم والسندات وقطاع العقارات والاستثمار، وهذا يتطلب بدوره توجيه جزء من الاستثمارات لتلبية احتياجات هذا الجمهور المتعطش إلى وسائل إعلامية اقتصادية موثوقة، يستقي منها الخبر الصادق والتحليل الموضوعي، الذي يساعد في اتخاذ القرار بدلا من النشرات التي تطالعنا بأخبار اقتصادية عالمية "لا ناقة" لمعظم المشاهدين فيها "ولا جمل".
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية