كما يذهب البعض، فإن معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية تعتبر هي أكثر المعاهدات من حيث العضوية في التاريخ. فباستثناء خمس دول فقط، فإن كل دولة في العالم هي عضو في تلك المعاهدة التي ساهمت على مدار ثلاثة عقود في الحد من انتشار الأسلحة النووية.
بيد أنه ومنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وبشكل خاص خلال الشهور الأخيرة، أصبحت صلاحية تلك المعاهدة وقابليتها للحياة موضع شك. البعض يقول إنها قد أصبحت قديمة، والبعض الآخر يقول إنها قد أصبحت غير فعالة. ويقوم كل فريق -دعما لحجته- بالاستشهاد بحالة إيران، التي استطاعت دفع برنامج أسلحتها النووية قدما، على رغم كونها عضوا في المعاهدة المذكورة.
والبرنامج النووي الإيراني -وإلى حد أقل- الأنشطة النووية لليبيا، التي أعلنت الأسبوع الماضي أنها ستتخلى عن جميع برامج الأسلحة غير القانونية، يبرزان سويا منافع تلك المعاهدة وحدودها. ويذهب هؤلاء الذين يقولون إن المعاهدة قد أصبحت عديمة النفع، إلى القول بأن الدول الشريرة لا توقع عليها من الأساس، أو توقع عليها ثم تقوم بعد ذلك بالغش والتلاعب. أما الدول الطيبة فهي توقع وتلتزم بما وقعت عليه حقا، ولكن المشكلة هي أن المعاهدة ليست لها أهمية بالنسبة للدول الأخيرة، لأنه لا يوجد لديها النية أصلا في تبني برامج للتكاثر النووي.
وهذا الجدل الذي يقوم على مبدأ إما كل شيء.. أو لا شيء على الإطلاق، يعتبر جدلا مغلوطاً في جوهره.. لماذا؟ أولا: لأنه لا يقر بأن هناك فئة أخرى مهمة من الدول تقع ما بين الدول الطيبة والدول الشريرة، مثل أوكرانيا، وكازاخستان، وجنوب أفريقيا، والأرجنتين، أو كوريا الجنوبية.
ثانيا: أن تلك المعاهدة لها تأثير حتى على الدول الشريرة مثل العراق وكوريا الشمالية، وهو تأثير يتبدى حين تتحرك الأمم المتحدة ضد تلك الأنظمة، بمؤازرة من الإجماع العالمي على تحريم مبدأ اقتناء الأسلحة النووية .
بيد أن هذا كله لا يحول بيننا وبين القول بأن المعاهدة غير كاملة. فهي على سبيل المثال تسمح للدول، التي تتعهد بعدم إنتاج الأسلحة النووية، بتطوير برامج نووية للأغراض السلمية، بشرط أن تقوم بالإعلان عن تلك الأنشطة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتسمح لها بالتفتيش على منشآتها .
والمشكلة هنا هي أن التسهيلات نفسها، و(دورة الوقود المغلقة) نفسها المستخدمة في البرامج السلمية تتيح لتلك الدول القدرة على إنتاج المواد الانشطارية اللازمة لتصنيع السلاح النووي.
إن العالم يجب أن يقوم بتجديد عزمه وتصميمه على الحد من انتشار الأسلحة النووية من خلال رفد المعاهدة الحالية بحوافز وجزاءات إضافية. السبيل لذلك، هو وضع خطوط فاصلة بين الحق في إدارة برامج نووية للاستخدامات المدنية السلمية، وبين الحق في تشغيل (دائرة الوقود المغلقة). فالحق الأول يجب المحافظة عليه بل تعزيزه، أما الثاني فيجب القيام بجهود جادة لتثبيطه ، بل وتحريمه.
ولكن كيف يمكن ضمان نجاح هذا النظام؟ يمكن ضمان ذلك بأن تقوم الدول التي تسعى إلى تطوير طاقة نووية لتوليد الكهرباء، بالموافقة على عدم تصنيع الوقود النووي، أو تخزينه، أو معالجته، مع السماح للوكالة الدولية للطاقة النووية بالتفتيش على أنشطتها في هذا المجال.. وأن توافق الدول التي تقوم في الوقت الراهن ببيع التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية، بالموافقة على عدم بيع تلك التكنولوجيا، وكذلك المعدات والوقود اللازم للمفاعلات النووية، وغيرها من التسهيلات، لأية دولة لا تقوم بالتخلي عن حقها في تخصيب ومعالجة الوقود النووي.. وأن توافق تلك الدول أيضا على عدم بيع أو نقل أي معدات أو تكنولوجيا مصممة لتخصيب أو معالجة ذلك النوع من الوقود. بالإضافة لذلك يمكن لتلك الدول في الوقت ذاته أن تقوم بالتأكيد لتلك الدول بأنها سترسل لها مددا مضمونا من الوقود النووي، مقابل استرداد الوقود المستنفذ منها، ثم القيام ببيعه بأسعار تنافسية للدول الأخرى، التي توافق على هذه الترتيبات الجديدة.
يمكننا أيضا النظر في مسألة فرض عقوبات على الدول التي تختار -على الرغم من ذلك - السعي للحصول على دورة الوقود النووية المغلقة.
وبصرف النظر عن المحتوى الدقيق، والشكل الذي ستتخذه تلك الترتيبات ، فإنه قد يكون من الأفضل أن يتم النظر إليها باعتبارها ترتيبات مرافقة للمعاهدة، بدلا من الانخراط في العملية المعقدة والمثيرة للخلاف، الخاصة بتعديل المعاهدة ذاتها.
هنا قد يثار سؤال هو: ولكن ما الذي سيغري الدول التي تريد تطوير برنامج نووي، بالموافقة على مثل تلك الترتيبات؟ الإجابة القاطعة على هذا السؤال هي أنه ما لم تلتزم تلك الدول بوضع تلك القيود والمحاذير موضع التطبيق، فإنه لن يكون أمامها خيار آخر في تلك الحالة سوى تطوير تلك التكنولوجيا من نقطة الصفر وهي مهمة شاقة ومرهقة، لا تقدر مثل تلك الدول عليها. علاوة على ذلك فإن رفض تلك الترتيبات، سوف يجعل تلك الدول عرضه للتدقيق والضغط الدولي هذا من ناحية ..ومن ناحية أخرى فإن أية دولة لديها الرغبة والاهتمام بتطوير برنامج