من أجل رؤية غربية موحدة لمحاربة الإرهاب
أتذكر أنني عندما قدمت أوراق اعتمادي كسفير لجمهورية ألمانيا في واشنطن صيف 2001 كان الوضع على جانبي الأطلسي هادئاً. في ذلك الوقت بدا الخطر الذي يتهدد جانبي الأطلسي ضئيلاً ومحدداً بشكل جيد، وقابلاً بالتالي للتعامل معه.
وبعد ذلك جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي بدت لأول وهلة وكأنها تقوم بتقريب دول الغرب من بعضها بعضاً، حيث استدعت تلك الدول الفقرة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي لأول مرة منذ خمسين عاماً، كما أقدمت ألمانيا على خطوة غير مسبوقة عندما أرسلت قوات إلى أفغانستان..
واليوم هناك تحديات أكثر تعقيداً تواجهنا وفي مقدمتها الأصولية الإسلامية، واحتمال مواجهتنا لتهديدات إرهابية أخطر، واحتمال تصعيد التوتر السياسي والثقافي والديني بين الغرب من جهة وبين العالم الإسلامي من جهة أخرى.
ففي العراق لا يزال العنف الإرهابي مستمراً على نطاق واسع، وهناك أيضا صراع أهلي، وانقسام سياسي طائفي دون أمل في تحسن قريب للوضع. وفيما يتعلق بالوضع مع إيران أصبح الوصول إلى حل للأزمة النووية معها أمراً غير مضمون، وبالتالي أصبح مستقبل نظام عدم الانتشار النووي برمته معرضاً للخطر.
لقد اتضح أن حلم تحويل المنطقة بأكملها من خلال التخلص من صدام حسين، وإقامة ديمقراطية من خلال الانتخابات، هو حلم مراوغ. فالانتخابات التي أجريت في العراق وإيران ومصر والأراضي الفلسطينية، أظهرت على أرض الواقع أن الانتخابات غالباً ما تؤدي إلى تعزيز الجماعات الإسلامية الراديكالية، وإلى هز الاستقرار الإقليمي.
وإذا ما نظرنا إلى الصراع العربي- الإسرائيلي، فإننا سنجد أنه من الصعب أن تتخيل كيف سيمكن استكمال المفاوضات بين الطرفين على أساس حل الدولتين في المدى القريب. وهناك الكثير من العوامل في المنطقة التي يمكن أن تؤجج النيران الطائفية كما أن الأمر الأكثر ترجيحاً هو أن ساحة المعركة القادمة ستكون في الفضاء الأوروبي- المتوسطي.
والشيء الجديد في هذا الأمر هو عنصر الخوف الشخصي الذي بدأ يؤثر على الأوروبيين كما أثر على الأميركيين في الحادي عشر من سبتمبر. وهذا الخوف ليس مصدره هجمات الإرهابيين على محطات القطارات في لندن ومدريد، ولكنه ينبع من أحداث أخرى مثل أحداث الاغتيال السياسي، وأزمة الرسوم الدانمركية الأخيرة. إنه الخوف من أن يكون الأمن الشخصي ذاته مهدداً. إن أوروبا لن تكون هي أوروبا التي نعرفها، والتي نحبها، ونعجب بها، إذا ما أصبح أبناؤها يخافون من أن يؤدي إصرارهم على قيمهم وأسلوبهم في الحياة، إلى وضع أمانهم الشخصي بل وحياتهم تحت الخطر.
هل يستطيع الأوروبيون والأميركيون أن يجدوا إجابة مشتركة على هذا التحدي؟ البعض يبدو مستعداً للحديث عن "صراع الحضارات" باعتباره نبوءة ستتحقق حتماً. والبعض الآخر في أوروبا قد تكون لديه الرغبة في اعتبار الحرب الأميركية في العراق وكأنها مصدر جميع المشكلات. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: كيف يمكننا أن نتحرك إلى الأمام؟ فيما يلي أفكار مبسطة لذلك:
ولعل أولى تلك الأفكار أنه لم يتم حتى الآن بذل مجهود جاد لخلق بنية أمنية في الشرق الأوسط، المنطقة الأكثر أهمية من بين جميع مناطق العالم نظراً لما تحتوي عليه من مصادر نفطية، لذا يجب التوصل إلى ترتيب أمني إقليمي فعال يضع في اعتباره مصالح جميع الأطراف الإقليمية.
ثم إنه يجب تعزيز دور "الناتو" كمنبر مركزي لمناقشة وتقرير الموضوعات الأمنية المتعلقة بجانبي الأطلسي. ويجب على هؤلاء الموجودين في أوروبا والذين يعتقدون أن الاتحاد الأوروبي سيكون أكثر قدرة على رسم وتحديد سياسته الدفاعية إذا ما تم فطامه عن الدعم الأميركي العسكري، أن يعرفوا أنهم بذلك يحققون دون أن يدروا مصلحة الأميركيين الانعزاليين وهو ما سيؤدي في النهاية إلى الإضرار بالأمن الأوروبي نفسه.
ولفجانج أيشينجر
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
سفير ألمانيا السابق لدى الولايات المتحدة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"