أزمة حزب "العمال" البريطاني... وأحزابنا العربية!
يختلف الصراع الحالي في داخل حزب "العمال" البريطاني عن آخر أزمة كبيرة واجهته في نهاية سبعينيات القرن الماضي، فقد نشبت تلك الأزمة نتيجة تراكم الخلاف بين أجنحة الحزب بعد تصاعد نفوذ الجناح اليساري. كان هذا الجناح قد حقق انتصاراً ملحوظاً في النقاشات الفكرية التي حدثت في ذلك الوقت، حول اتجاه الحزب ومواقفه وسياساته. ولكن قيادة الحزب حينئذ لم تلتزم بنتائج تلك المجادلات، الأمر الذي خلق صراعاً داخلياً حاداً حول طريقة إدارة الحزب ومدى ديمقراطية توزيع السلطة بين المستويات التنظيمية المختلفة. ورغم حدة ذلك الصراع، فقد انتهى إلى التوافق على تجديد بعض أساليب العمل الحزبي التي أصبحت أكثر ديمقراطية.
أما الصراع الراهن، الذي تصاعد بسرعة عقب الخسارة الكبيرة التي مني بها الحزب في الانتخابات البلدية، فهو يدور حول قيادة الحزب ومدى الحاجة إلى تجديدها. فقد أدت هذه الخسارة إلى تدعيم مركز المطالبين برحيل زعيم الحزب توني بلير الذي احتفظ بقيادته لمدة 12 عاماً تقريباً.
ولا يعني ذلك أنه صراع شخصي، بخلاف ما قد يبدو للوهلة الأولى، فالخلاف على من يشغل موقع القيادة ليس شخصياً في كل الأحوال، وخصوصاً في الأحزاب التي تتميز بتقاليد ديمقراطية. كما أن هذا الخلاف تحديداً يرتبط بتباين في المواقف تجاه مسألة تحسين أداء الحزب، إذ يدعو معارضو بلير إلى تجديد يتجاوز شخص الزعيم ويمتد إلى مختلف المستويات التنظيمية. فهم يعتقدون أن الحزب دخل في حالة شيخوخة يتعين إنقاذه منها حتى لا يخسر الانتخابات العامة المقبلة. ويرون أنه لا سبيل لهذا الإنقاذ إلا عبر ضخ دماء جديدة في الحزب، بدءاً بزعيمه وهيئاته القيادية وفي مقدمتها اللجنة التنفيذية القومية وذراعيها الكبيرتين، وهما اللجنة الدولية ولجنة السياسات الداخلية، ووصولاً إلى مستويات أدنى.
وقد شهد حزب "العمال" صراعاً من هذا النوع في مطلع تسعينيات القرن الماضي، وأسفر ذلك الصراع عن تجديد واسع أتاح للحزب الانتقال من مقاعد المعارضة التي طال بقاؤه فيها إلى السلطة في انتخابات 1997. وكان تولي بلير زعامة الحزب عام 1994 أحد أهم عناصر ذلك التجديد، ولكن يبدو أنه لا يرى في الوضع الراهن شيئاً يشبه ما كانت عليه الحال عشية توليه زعامة الحزب، ولذلك يقاوم التجديد الذي تزداد المطالبة به في داخل الحزب.
وكان التعديل الوزاري الذي سارع إلى إجرائه فور ظهور نتائج الانتخابات البلدية، مؤشراً واضحاً على أنه لن يقبل التنحي بسهولة. ولكن هذا التعديل زاد مركزه ضعفاً بدلاً من أن يقويه. فكان واضحاً أنه يريد الالتفاف على نتائج يصعب إغفال الرسالة الخطيرة المتضمنة فيها، وهي أن الحزب بات في حالة تراجع على نحو يهدده بمغادرة السلطة في الانتخابات العامة المقبلة، فثمة استحالة في التغطية على انحدار حزب "العمال" إلى المركز الثالث في هذه الانتخابات من حيث مجموع الأصوات، وهذا أخطر من فقد 306 مقاعد و18 مجلساً من المجالس البلدية دفعة واحدة. كما أن إبعاد وزير الخارجية السابق جاك سترو، وتعيين جون ريد الموالي له وزيراً للداخلية خلفاً لتشارلز كلاك، أثار استياءً في داخل الحزب، كما في أوساط عدة خارجه.
وكان واضحاً أن هذا التعديل الوزاري كان بمثابة إعلان حرب ليس فقط على أنصار وزير المال جورج براون المرشح لخلافة بلير، ولكن أيضاً على كل من لا يعاديه. إنه تعديل على طريقة (من ليس معي فهو ضدي) ولذلك وصف المطالبون برحيل بلير هذا التعديل في مذكرة أعدها بعضهم بأنه "حمام دم".
وثمة ما يدل على أن بلير ومساعديه يفكرون ويتصرفون بطريقة عهدناها في كثير من أحزابنا السياسية في العالم العربي، هناك اعتقاد في أوساطهم، مثلاً، في وجود مؤامرة للإطاحة بزعيم الحزب. وقال بعضهم ما يفيد ذلك صراحة، وما يعني أنهم سيقاومون هذه المؤامرة، وهذا خطاب معتاد في الصراعات داخل الأحزاب العربية، وسمعناه بشكل متكرر من قادة حزبيين عرب ومن مساعديهم.
ومن المتشابهات أيضاً في خطاب بلير ورجاله والخطاب المعتاد في أحزابنا، القول إن زعيم حزب "العمال" يريد البقاء لسنوات قليلة أخرى لكي ينجز ما يريد إنجازه. بل نجد في خطاب بعض رجال بلير مقداراً من "عبادة الزعيم" المعهودة في كثير من أحزابنا العربية، وإن بدرجة أدنى نسبياً وبشكل قد يكون أقل فجاجة. ومن ذلك مثلاً تبرير عدم تخلي بلير عن زعامة الحزب باستيعاب درس إخراج مارغريت تاتشر من قيادة حزب المحافظين بالقوة، الأمر الذي أدى إلى انقسام الحزب على نفسه وإضعافه.
ولكن معارضي بقاء بلير لأكثر من شهور يتم الإعداد خلالها لانتخاب زعيم جديد، يرون أن استمراره لأكثر من ذلك هو الخطر الحقيقي، وأن الناخب وجّه رسالة إنذار قوية في الانتخابات المحلية تفيد أنه يريد تغييراً حتى يستعيد ثقته في الحزب.
وربما يكون في إمكان بلير أن يقاوم الضغوط المتزايدة عليه لإخراجه من قيادة الحزب لبعض الوقت، ولكنه لن يستطيع الاستمرار في هذه المقاومة إذا انضم مزيد من نواب الحزب في مجلس العموم إلى زملائهم المطالبين بإبعاده، أو إذا اقتنع غالبية أعضاء اللجنة التنفيذية القومية بوجاهة هذا المطلب.
فهناك، في النهاية، قواعد تنظم إدارة العلاقات داخل حزب "العمال"، والأهم من ذلك أن أحداً لا يستطيع أن يخرق هذه القواعد عندما يتم تفعيلها. قد يتمكن زعيم أو آخر، في هذا الحزب أو ذاك، من المناورة لتأجيل استحقاق يتعين عليه أن يدفعه، وربما يتحايل على القواعد لبعض الوقت، ولكن أحداً لا يستطيع انتهاك هذه القواعد صراحة أو خرقها. وهذا هو الفرق بين حزب "العمال" وأحزابنا في العالم العربي، فهذه الأحزاب تفتقر إلى القواعد الديمقراطية، أو إلى الثقافة الديمقراطية التي تنفر من خرق هذه القواعد، أو إلى كلتيهما. وما زالت صور الصراع الدامي في حزب "الوفد" المصري والصراع العنيف في حزب "الاتحاد الديمقراطي" المغربي ماثلة في الأذهان، وهما آخر صراعين كبيرين في الأحزاب العربية حتى الآن.
في كل من الحالتين، كان الصراع على قيادة الحزب منفلتاً من القواعد ومفتقداً الثقافة الديمقراطية، تزامن الصراعان، وتشابها في كثير من جوانبهما. ولكن في صراع "الوفد"، رفض رئيس الحزب السابق النزول على إرادة أغلبية ممثلي أعضائه في المؤتمر العام، وقاد هجوماً مسلحاً على المقر الرئيس للحزب في الأول من أبريل الماضي، ويعرف هذا الهجوم الآن في مصر بـ"غزوة المقر"، والتي أسفرت عن إصابة 20 من شباب الحزب والصحفيين العاملين في صحيفته اليومية، كانت هذه الغزوة هي ذروة "التراجيديا" الحزبية في مصر. وقد يكون هذا المستوى في الصراع نادر الحدوث، ولكن سيظل الصراع الناجم عن غياب الثقافة الديمقراطية منتجاً لأزمات خطيرة تعصف بالأحزاب وتقود إلى تجميد نشاطاتها أو انفراط عقدها.
وهذا هو المستوى المعتاد للصراعات داخل الأحزاب العربية، والذي شهدناه في صراع حزب "الاتحاد الديمقراطي" المغربي الذي انفجر في مؤتمره العام السابع في منتصف مارس الماضي، في ظل خلاف حاد بدأ بنزاع بين بوعزة يكن ومحمد الفاضلي حول من له أحقية تمثيل الحزب، وتطور باتجاه صدام حول مشروع لدمج الحزب في الحركة الشعبية.
انفجر المؤتمر السابع للحزب وطغت عليه المشادات الكلامية التي وصلت في بعض اللحظات إلى عراك بالأيدي.
وأحزاب من هذا نوع صراعاتها، تختلف كثيراً عن حزب "العمال" البريطاني الذي سيتمكن من حل الصراع على الزعامة والتجديد في داخله، بأقل مقدار من الخسائر، وفضلاً عن قواعد الديمقراطية وثقافتها، يعرف المتنازعون في حزب "العمال" أن في تجاوز الصراع مستوى معيناً خسارة للجميع.
وهذه بديهية لا يعرفها قادة معظم الأحزاب في العالم العربي، الذي تغيب فيه كثير من البديهيات، ففي هذا العالم الذي انتهت فيه تقريباً الانقلابات العسكرية، ما زال التغيير في أحزابه يحدث بطريقة انقلابية في كثير من الأحيان بسبب تشبث رؤسائها بمواقعهم، والأكيد أن بلير لن يكون مثلهم مهما بلغ ميله إلى مقاومة تجديد حان وقته أو أوشك.