وشتان ما بين البداية والنهاية، بين الأقوال والأفعال، بين الادعاءات والحقائق، بين الظاهر والباطن· فقد أعلنت الولايات المتحدة الأميركية توزيع عقود الإعمار على دول التحالف التي شاركت في العدوان على العراق مثل المرتزقة الذين يقتلون من أجل المال، والدول التي تعتدي من أجل الغنائم· فلم يكن العدوان بدوافع نبيلة تحقيقا لغايات سامية بل كان ذريعة لتحقيق المصالح، مصالح الشركات الكبرى· كانت أسباب العدوان مجرد ذرائع لتحقيق أهداف أخرى غير معلنة، هي الأهداف الحقيقية للحرب والبواعث الفعلية على العدوان·
كانت الذرائع المعلنة القضاء على ديكتاتورية نظام العراق، وتحرير شعبه من أبشع نظام تسلطي عرفه التاريخ وكأن أوروبا لم تعرف مثله في النظم النازية والفاشية· وأميركا هي التي خلقته ودعمته في عدوانه الأول على الثورة الإسلامية في إيران وهي في أوج تحديها للولايات المتحدة الأميركية وقوى الاستكبار العالمي· وهي التي دفعته مرة ثانية للعدوان على الكويت حتى تتدخل قوات العدوان وتدمر العراق وتستولي على ثروته بدعوى تحرير الكويت· وكم من نظام تسلطي في العالم أيدته الولايات المتحدة الأميركية وما زالت في الوطن العربي والعالم الإسلامي، في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، تؤيده طالما يحقق مصالحها وينفذ أغراضها· ثم تنقلب عليه إذا ما شق عصا الطاعة عليها، وقام بدوره الخاص المستقل عن الدور الذي رسمته له الولايات المتحدة، دور العميل· فالعمالة إلى الأبد· ولا تنتهي إلا بالموت· العمالة قانون للضعفاء لسيطرة الأقوياء· لذلك تحارب الولايات المتحدة كل الحركات الوطنية التي تدعو إلى الاستقلال مثل حركات التحرر العربي الإسلامي، وكل السياسات المستقلة التي لا تريد الانخراط في النظام الدولي الذي يقوم على الاستقطاب أو على القطب الواحد مثل مصر الناصرية، والهند أيام نهرو، ويوغوسلافيا تيتو، وماليزيا مهاتير·
وكانت الذريعة الثانية تدمير أسلحة الدمار الشامل على رغم عدم وجود الأدلة، وعدم عثور مفتشي الأمم المتحدة على أي منها· وقد بان أخيرا أنها كانت فِرْيَة من وضع الاستخبارات البريطانية والأميركية· كان قرار العدوان قد تم اتخاذه والمطلوب إيجاد شرعية له حتى ولو تجاوزت الشرعية الدولية· وقامت الولايات المتحدة الأميركية بدور الأمم المتحدة والهيئة الدولية للطاقة الذرية· والدول الكبرى ذاتها تملك أسلحة الدمار الشامل، نووية وكيميائية وغيرها· وتمنع ذلك الحق عن الدول الصغرى حتى تظل القوة في المركز دون الأطراف· بل تخشى الولايات المتحدة من العدوان على كوريا الشمالية بالحجة نفسها وهي تكوّن مع العراق وإيران (محور الشر)· فلكوريا الشمالية سندها في الصين والاتحاد السوفييتي والعرب لا سند لهم· وإسرائيل ترسانة لجميع أنواع أسلحة الدمار الشامل· ولم توقع على معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار الشامل· ولا يحتلها أو يعاقبها أو يهددها أحد· بل إن الغاية الحقيقية لتدمير السلاح النووي العراقي إن وجد هي الدفاع عن إسرائيل وأمنها بتدمير الجبهة الشرقية وكما فعلت إسرائيل في تدمير المفاعل النووي العراقي في 1982 بيدها، والتهديد بضرب المفاعل النووي الإيراني والباكستاني حتى تظل إسرائيل هي الدولة النووية الوحيدة في المنطقة تحمي احتلالها لفلسطين وتوسعها في الأراضي العربية، سوريا ولبنان وتهديد مصر وسيطرتها على منطقة الشرق الأوسط كلها، الوطن العربي والعالم الإسلامي· فحدود إسرائيل هي المدى الذي يستطيع جيش الدفاع الإسرائيلي الوصول إليه· وكما عبر عن ذلك مهاتير محمد في خطابه الأخير وهو يتنازل عن السلطة لجيل آخر طبقا لمبدأ تداول السلطة بأن اليهود يحكمون العالم بالوكالة· فقد حاولوا ضرب العملة الماليزية والإندونيسية حتى يبقى في الذهن أنه لا استقلال ولا تنمية إلا عن طريق التبعية· وقد آثرت ماليزيا طريق الاستقلال·
وكانت الذريعة الثالثة للعدوان على العراق الإرهاب على رغم غياب أي دليل على تعاون النظام العراقي مع منظمات الإرهاب الدولي· وإرهاب المنظمات السرية هو رد فعل طبيعي على إرهاب الدول الكبرى العلني على المستوى الدولي، كما أن إرهاب الأفراد على المستوى المحلي هو رد فعل على إرهاب الدولة· والحقيقة أن الولايات المتحدة بعد حوادث 11 سبتمبر تريد استرداد هيبتها وإثبات أنها قادرة على الدفاع عن نفسها خارج حدودها· فقد طعنت حوادث 11 سبتمبر الولايات المتحدة في غرورها وكبريائها وسطوتها أكثر مما فعلت بيرل هاربر في 1942 التي كانت بعيدا عن القارة الأميركية في وسط المحيط· ولم تدرك دلالة الحدث، أن القوة بلا عدل تدمر نفسها بنفسها، وأن منظمة التجارة العالمية والبنتاجون مع البيت الأبيض رموز للسيطرة والهيمنة والعدوان، ورمز للتجمع العسكري الصناعي الذي يريد السيطرة على مقدرات العالم، وأن هناك غضبا في القلوب، وتمردا لدى الشعوب ضد الهيمنة الأميركية كما كان الحال في الستينيات في حركات السلام المناهضة للحرب والعدوان على فيتنام، والمناهضة للعنصرية في الداخل والدفاع عن ال