على امتداد ما يقارب الثلاثين عاما، ظل معلمو تاريخ القرن العشرين في المدارس العراقية، يدرسون هذه المادة من منظور حزب (البعث)، حسبما أملاه عليهم واجبهم الوظيفي. وفي ذلك المنهج الدراسي المفروض، كانت كل حرب خاضها العراق، مبررة وعادلة ومنتصرة بالضرورة. أما أميركا فقد صورت دائما على أنها الغازي الجشع، ومكمن الداء والبلاء. لكن وبعد زوال نظام صدام حسين، أعلن المسؤولون الأميركيون في العراق أن معلمي التاريخ سيكونون أحرارا من هذا العام فلاحقا، في أن يدرسوا مادة تاريخية أكثر واقعية وموضوعية للتلاميذ وطلبة المدارس. ولكن السؤال الذي يطرح هنا: تاريخ من سيكون هذا المنهج الجديد، ومن أي رؤية ومنظور؟
وفيما يبدو فإن النسخ الأولى لتاريخ عراق ما بعد صدام حسين، ستظهر خلال الشهر المقبل، مع صدور ملايين من النسخ المدرسية المنقحة التي تستهدف خمسة ملايين ونصف مليون طالب عراقي. ويشمل الكتاب الجديد 563 نصا تاريخيا، تم تنقيحها ومراجعتها من قبل اختصاصيين تعليميين معينين من قبل السلطة الأميركية المؤقتة في العراق. وكما هو متوقع، فقد تم محو أية صورة أو قصة ترمز إلى صدام حسين أو نظامه، نظام حزب (البعث)· غير أن الحذف لم يتوقف عند صدام حسين ورموز حزبه ونظامه فحسب، وإنما طال أيضا الجزء الغالب من أحداث القرن العشرين في العراق. وربما بفعل ضغط عامل الزمن، والحرص على تفادي كل ما هو مثير للجدل السياسي، فقد لجأت وزارة التربية والتعليم العراقية العاملة تحت الإدارة الأميركية الحالية، إلى حذف أحداث كبيرة في التاريخ العراقي المعاصر، منها على سبيل المثال: حرب الخليج الأولى 1991، الحرب العراقية-الإيرانية، وكل ما فيه إشارة إلى إسرائيل وأميركا والأكراد. وعلى حد تعبير بيل إيفرز وهو أحد موظفي وزارة الدفاع الأميركية، ومستشار تعليمي من بين ثلاثة مستشارين عينتهم الإدارة الأميركية في العراق، فقد تم حذف فصول بكاملها من تاريخ القرن العشرين في المقررات الجديدة هذه.
الشاهد أن هذه النسخة المنقحة من مقرر التاريخ، إنما تؤكد تلك التحديات السياسية الكبيرة التي تواجهها السلطة العراقية المدعومة من قبل الولايات المتحدة الأميركية، وإلى جانبها كافة المجموعات اللاربحية والخاصة المسؤولة عن كل شيء تقريبا، بدءا من إعادة بناء المدارس، وحتى تدريب المعلمين، وصولا إلى تنقيح المناهج التعليمية العراقية. وفي الوقت الذي لا يريد فيه المستشارون الأميركيون أن يظهروا بمظهر من يملي على العراقيين نظرتهم وتفسيرهم للتاريخ، فهم في الوقت ذاته، لا يريدون لهذا التاريخ أن يتخذ مظهر العداء السافر للولايات المتحدة الأميركية، أو أن يطغى عليه نفس التشدد الديني والراديكالية المتطرفة.
نتيجة لذلك، فقد طرأ تحول كبير على مناهج التاريخ في المدارس العراقية عقب سقوط نظام صدام حسين. فبدلا من أن كان التاريخ أحاديا ويتجه إلى تعزيز رؤية (البعث) وتفسيره للتاريخ، أصبحت المناهج الجديدة أكثر حيادا وبلا أية وجهة آيديولوجية، أيا كانت. فقد أوضح فؤاد حسين المسؤول عن المناهج الدراسية في وزارة التعليم العراقية، أن كل ما هو معاد لأميركا في المنهج السابق، قد عد في إطار الآيديولوجيا والدعاية السياسية ، ومن ثم تم حذفه دون تردد. وأوضح فؤاد أن تحرير المناهج العراقية من آيديولوجيا البعث، قد استوجب حذف فصول كاملة من الكتب والمقررات السابقة.
وإلى حين الانتهاء من عملية التنقيح المتأني الشامل للمقررات الدراسية الحالية، وهي عملية يتوقع لها أن تستغرق عدة سنوات، فإنه سيكون متروكا لتقدير معلمي التاريخ في عراق ما بعد صدام، فيما لو رأوا تجاهل أحداث كبيرة ومهمة في التاريخ العراقي المعاصر، تجنبا للوقوع في مأزق الأحكام الدعائية، أو أن يقرروا على نحو منفرد، الطريقة المناسبة التي يمكن بها رواية هذا الفصل من التاريخ المعاصر. لم يمنع هذا الاتجاه بعض المعلمين العراقيين من الجهر برأيهم صراحة، سيما قدامى معلمي التاريخ، ومن بينهم المعلمة ابتسام جسوم -التي ظلت تدرس مادة التاريخ على مدى خمسة عشر عاما - أنها ستروي هذا الفصل الأخير من التاريخ العراقي لتلاميذها بالقول لهم إن الحرب التي دارت مؤخرا على العراق هي حرب احتلال لبلادهم، وإن الأميركيين جاءوا غزاة، لا غاية لهم سوى الاستئثار بنفط العراق. قالت ذلك بداية، وهي تجلس في الغرفة المخصصة للمعلمين في (مدرسة الهدى) في أحد أحياء بغداد الفاخرة. إلا أنها فكرت فيما قالت للتو، فجالت برأسها صور المقابر الجماعية والمآسي التي تكشفت عقب انهيار النظام السابق، فعدلت عن رأيها واعترفت بأن الأميركيين حرروا بلادها من قبضة سفاح دموي فظ. لكن وعلى أية حال، فإن هناك أمثلة أخرى لآراء من سيمتهنون مهنة تدريس التاريخ في المدارس العراقية لاحقا. من بين هؤلاء انتظار البابل، طالبة التاريخ في كلية التربية الخاصة بالبنات والتابعة لجامعة بغداد. تقول انتظار إنها ستدرس تاريخ بلادها من رؤية أن لأميركا تاريخا طويلا مديدا من غزو بلادها وانتهاك سياد