فوضى أم انهيار للنظام الدولي؟
ما يجري أمام أبصارنا على شاشات التليفزيون وأمام أنظار العالم من تدمير للبنية التحتية الذي تقوم به الدولة الإسرائيلية العنصرية، ومن اعتداءات صارخة على المدنيين... يكاد يكون لا سابقة له في الصراعات الدولية. صحيح أننا شاهدنا في حروب البلقان فظائع شتى، ولكن لم يحدث من قبل أن كان الطرف الأقوى يضرب الأضعف بالطائرات في غيبة تامة لأي مقاومة لافتقار الجيش اللبناني لوسائل الردع.
لقد تساءلنا من قبل عن حالة الفوضى الدولية التي سمحت بالاعتداء الإسرائيلي الإجرامي على الشعب اللبناني الأعزل. وحاولنا أن نجد تفسيراً في عدة نظريات صيغت بعد سقوط الاتحاد السوفييتي ونهاية الحرب الباردة.
وأولى هذه النظريات هي نظرية "نهاية التاريخ" لفرانسيس فوكوياما، والتي عن طريقها نفهم سر العنجهية الأميركية في تقرير مصائر الشعوب بعد أن أصبحت الولايات المتحدة القطب الأوحد والأعظم. غير أن هذه النظرية لا تفسر مجمل السلوك الدولي، ومن هنا لجأنا إلى نظرية "الفوضى" التي تشرح سر الاضطراب في السياسة الدولية حالياً.
وقد أدرك أحد علماء السياسة المرموقين في أميركا، وهو جيمس روزناو، أن النظريات القديمة في العلاقات الدولية والنماذج التفسيرية السائدة، لا تستطيع تفسير السلوك الدولي في الوقت الراهن، فصاغ نظرية جديدة تتضمن فئات تحليلية مستحدثة، مستفيداً من النظريات العلمية الجديدة، كنظرية "الفوضى" ونظرية التعقيد أو التركيب، ونشر نتائج أبحاثه في كتاب عنوانه: "الاضطراب في السياسة الدولية: نظرية عن التغير والاستمرار". غير أنه إضافة إلى ذلك، هناك مبحث آخر قد يضيء الجوانب المعتمة لظاهرة الفوضى الدولية الراهنة، وهو مبحث يعالج نظرة الغربيين إلى أنفسهم، ونظرتهم إلى غيرهم من الشعوب. وقد عرض الباحث المغربي الدكتور محمد سعدي نظرة الغربيين إلى أنفسهم ونظرتهم إلى غيرهم من الشعوب بصورة دقيقة، وذلك في رسالته للدكتوراه التي نشرت بالعنوان التالي: "مستقبل العلاقات الدولية من صراع الحضارات إلى أنسنة الحضارة وثقافة السلام"، نشرها مركز دراسات الوحدة العربية في يونيو 2006. وهذه الرسالة بالموضوعات التي عالجتها، تعد دراسة رائدة بكل المقاييس. وقد استعان الباحث في تحقيق غرضه بكتاب مهم للفرنسي جون كريستوف روفان وعنوانه "الإمبراطورية والبرابرة الجدد". وقد أقام روفان مشابهة تاريخية بين روما القديمة في علاقاتها بالبرابرة، وروما الجديدة ممثلة في البلاد الغربية المتقدمة في علاقتها بشعوب الجنوب، ليتحدث عن الانقسامات الجديدة لعالم ما بعد الحرب الباردة، ويشبهها بالانقسامات التي سادت العالم في العصر الروماني.
ويقول بهذا الصدد "إن روما كانت تجسد السلام والاستقرار وتتمتع بسلطة وثقافة موحدة، وكانت تحترم القانون وتطبق العدالة، عكس البرابرة الذين لم يكونوا يفكرن إلا في الحروب وهم منقسمون لا يتفاهمون ولا يتواصلون في ما بينهم ولا يعرفون إلا القوة والعنف".
وتتمثل المشابهة التاريخية بين روما القديمة وروما الجديدة التي تمثلها خير تمثيل الولايات المتحدة الأميركية في أن "الغرب" بعد انتصاره المدوي في الحرب الباردة أصبح في منزلة الإمبراطورية الرومانية من حيث القوة والاستقرار والسلم والإشعاع الحضاري العالمي. وهو يتبنى القيم الإنسانية الحضارية العالمية؛ كالديموقراطية واحترام التعددية والدفاع عن حقوق الإنسان... في حين أن باقي العالم يتخبط في الصراعات والمجاعات وأنماط التفكير غير العقلانية، بالإضافة إلى التركيز المرضي على مسائل الهوية والارتداد إلى الانتماءات المحلية.
وإذا كانت بعض هذه الظواهر يمكن رصده في دول الشمال فإن هذه الدول- عكس دول الجنوب- قادرة على ضبطها وحصارها في أضيق نطاق. ويورد روفان عبارة لها دلالة وتحمل في طياتها تفسير السلوك الغربي إزاء شعوبنا ودولنا. ومعنى هذه العبارة "أن البربري هو كل ما لا ينتمي إلى الإمبراطورية ويتعارض معها، والحدود بين الإمبراطورية والبرابرة هي حدود بين الحضارة والطبيعة، بين الإنساني والحيواني".
في ضوء هذه العبارة الخطيرة نفهم لماذا يرفض الرئيس بوش بإصرار عنيد وقف إطلاق النار في لبنان، وإعطائه ضوءاً أخضر لإسرائيل لإكمال مهمتها وهي ببساطة هدم أكبر قدر من البنية التحتية للبنان، وإبادة أكبر عدد من اللبنانيين الذين هم- حسب المشابهة التاريخية أعلاه- ينتمون إلى البرابرة، الذين تستوي حياتهم وموتهم! والعبارة نفسها تفسر السلوك اللامبالي للدول الغربية إزاء جرائم الحرب التي ترتكبها إسرائيل في لبنان وفلسطين. فما دام الصراع يدور بعيداً عن مراكز الإمبراطورية، فلا بأس من أن تتولى إسرائيل مهمة حصار البرابرة والقضاء على منجزاتهم والاعتداء الوحشي على شعوبهم.
ويصوغ روفان نظرية متكاملة عن العلاقات بين الإمبراطورية والبرابرة. ويرى أنه على غرار عصر الإمبراطورية الرومانية هناك مناطق عازلة بين الشمال والجنوب وهي أحزمة أمنية ودفاعية مكونة من خنادق وجدران ومعامل دفاعية كانت تطوق الإمبراطورية لصد هجومات البرابرة. وقد رأت روما الجديدة ضرورة وجود مناطق عازلة بين الشمال والجنوب، وتتكون هذه المناطق من مجموع الدول التي تشكل نقاط التماس بين العالمين الإمبراطوري والبربري. وهذه الدول هي المكسيك وكوبا وبلدان شمال أفريقيا وتركيا وإيران والصين وآسيا الوسطى والقوقاز وهذه المنطقة هي محل معاملة تمييزية واهتمام اقتصادي وعسكري ودبلوماسي من قبل دول الشمال لحماية مصالحها السياسية والاقتصادية والحيلولة دون اجتياح البرابرة لدول الشمال.
ويبدو أن المنطقة العازلة في المتوسط بين أوروبا وأفريقيا تسودها التوترات والصراعات السياسية والاقتصادية، وهناك منطقة ثانية يركز فيها الشمال على مصالحه الاقتصادية والتجارية وهي تتشكل من الدول التي تمثل محطات ومناطق اقتصادية استراتيجية مثل جنوب أفريقيا وإسرائيل وباناما والفيليبين وإندونيسيا وسنغافورة.
وهناك أخيراً "الأراضي المجهولة" والتي هي في تناقض كامل مع حضارة الشمال، وهي المناطق والأقاليم والمدن الكبرى في العالم الثالث، والتي تسودها الفوضى في كل مجال، وذلك مثل البلاد الأفريقية (ليبيريا وأثيوبيا والصومال وأوغندا ورواندا والكونغو الديموقراطى وجنوب السودان). وكذلك العديد من مناطق آسيا كأفغانستان وتايلاند، ومناطق أميركا اللاتينية.
وأهل الشمال لا يبالون على وجه الإطلاق بهذه العوالم البربرية، فهي بعيدة للغاية عن إمبراطوريتهم ولا يمكن أن تصيبهم بعدوى الفوضى والمجاعات والعنف. ومن هنا فالاتجاه الشمالي السائد هو ترك هؤلاء البشر لمصيرهم، لأن الحياة في هذه المناطق لا قيمة لها، وموت الآلاف من السكان الأصليين لا يثير أي ردود أفعال.
والتعامل مع سكان هذه المناطق يعتمد على "دبلوماسية الطائرة الهليوكوبتر"! والتي تتمثل في حرص الغرب كلما حدثت اضطرابات عنيفة في الجنوب إلى الإسراع لإجلاء رعاياه خوفاً على حياتهم، ثم ينظر من بعيد إلى ما يحدث مانحاً الرأي العام الغربي اللامبالي فرجة مسلية ومجانية على المجازر الوحشية وضروب القتال العنيفة.
ويبدو صدق هذه النظرية فيما رأيناه من إسراع الدول الغربية لإرسال بوارج حربية إلى لبنان لنقل رعاياها بأسرع ما يمكن، في الوقت الذي لم تبذل فيه الجهد السياسي الكافي لوقف إطلاق النار ومنع إسرائيل من مواصلة اعتداءاتها الوحشية.
والآن بعد هذا العرض الوجيز لنظرية الإمبراطورية والبرابرة، فإنه يمكن القول إن ما نشهده الآن على مسرح النظام الدولي ليس مجرد فوضى عارمة لا ضابط لها، وإنما هو انهيار حقيقي للنظام الدولي. وهذا الانهيار سيدفع الشعوب المظلومة والمقهورة إلى اتباع وسائل متعددة للدفاع عن حقها في الوجود، بعيداً عن أوهام الإمبراطورية التي تظن أنها قلعة محصنة لن يستطيع "البرابرة" بأي حال اقتحام أسوارها!