لماذا لم يتحد العرب؟
ربما كانت بداية مشكلة "النظام العربي" الحالي قد بدأت قبل ما يزيد عن ستين عاماً. فرغم محورية هدف "الوحدة" بالنسبة لهذا النظام، فإنه بُني في عام 1945، ليكون حلاً وسطاً بين أنصار الوحدة العربية الكاملة وأنصار بقاء الوضع الراهن، فظهرت جامعة الدول العربية كرابطة بين البلدان العربية القائمة، وليس كسلطة فوقها.
ورغم محاولات الجامعة العربية، لم يمر وقت طويل قبل أن يبدأ الإحساس بأن العمل العربي المشترك يواجه أزمة حقيقية أو انحساراً ملحوظاً. وكان النقد يوجه عادة للأنظمة العربية الملكية والمحافظة في عرقلة الوحدة أو التقارب العربي. غير أن الأنظمة الثورية، ابتداء من العراق بعد ثورة 1958، عندما رفضت الانضمام للجمهورية العربية المتحدة التي تشكلت في العام نفسه بعد اتحاد مصر وسوريا، أوجدت كما يقول د. أحمد يوسف أحمد، ظاهرة لم يكن قد عرفها النظام العربي، وهي "ظاهرة الصدام بين القوى الثورية أو التقدمية فيه، وهي ظاهرة قدَّر لها للأسف أن تستمر بعد ذلك، وأن تلعب دوراً يعتد به في استنزاف موارد القوى التي كان يفترض فيها أن تكون المسؤولة عن عملية التغيير إلى الأفضل في الوطن العربي".
ومع عام 1981، بدأ النظام العربي يعرف ظاهرة التجمعات الفرعية، وذلك بنشأة مجلس التعاون لدول الخليج العربية. ورغم أن مبررات قيام هذا المجلس مفهومة إلى حد كبير كرد فعل لقيام الثورة الإيرانية وما تلاها من حرب عراقية- إيرانية وتدخل سوفييتي في أفغانستان، فإن استبعاد مصر من النظام العربي في أعقاب معاهدتها مع إسرائيل عام 1979، واقتصار المجلس على دول الخليج تسببا في ألا يُنظر إلى نشأة هذا المجلس بارتياح من الرأي العام العربي وبالذات نخبته الفكرية، كما يحلل د. أحمد لكون هذه النشأة "مؤشراً محتملاً على انغلاق عدد من أعضاء النظام العربي على أنفسهم، ناهيك عن أن يكتسب هذا التقوقع طابعاً اقتصادياً اجتماعياً، بمعنى التلميح إلى كونه انسلاخاً لأصحاب الثروة عن النظام".
ولكن الأمور شهدت نقلة جذرية مع حلول عام 1989، عندما شهد النظام العربي ميلاد تجمعين عربيين جديدين في شهر فبراير هما: "مجلس التعاون العربي"، الذي ضم كلاً من مصر والعراق واليمن والأردن، و"اتحاد المغرب العربي"، الذي ضم دول شمال أفريقيا العربية باستثناء مصر. وهكذا تحولت التجمعات الفرعية من حدث منفرد في عام 1981 إلى ظاهرة في عام 1989. ولم يعد خارج نطاق هذه الظاهرة من البلدان العربية سوى سوريا ولبنان والسودان. وجنباً إلى جنب مع هذا التطور، بدأت تظهر على السطح منظومة فكرية تنظر إليه باعتباره الصيغة الملائمة الجديدة لتحقيق الوحدة العربية.
لكن مثل هذه التجمعات الوحدوية كانت تعاني من مشاكل لا تزال بعضها قائمة! فهذه التجمعات، كما يلاحظ د. أحمد "لم تمثل أبداً نقلة نوعية نحو رابطة وحدوية أفضل من تلك التي توفرها جامعة الدول العربية".
ويؤخذ على هذه التجمعات عجزها عن إحداث نقلة نوعية في العلاقات بين أعضائه. فمجلس التعاون العربي عانى بعد بدايته بقليل توتراً واضحاً في العلاقات بين أهم أركانه، أي مصر والعراق، "ثم انفجر من الداخل تماماً بسبب وقوف السياستين العراقية والمصرية من أزمة الخليج 1990-1991 على طرفي نقيض".
ويمد د. أحمد انتقاده ليشمل في هذا المجال دول الخليج العربية، الذي أخفق مجلسها حتى الآن، أي عام 2001، "في إيجاد تكامل اقتصادي أو دفاعي حقيقي بين أعضائه، فضلاً عن وجود عدد من الخلافات بينهم لعل أهمها يتمثل في الموقف من العراق بعد تحرير الكويت، وقبل هذا كله وبعده فإن مجلس التعاون لدول الخليج العربية هو التجمع الوحيد الذي لا يمكن الزعم بأنه يمثل مرحلة للوحدة العربية حيث نص نظامه الأساسي صراحة بشأن العضوية على أنها مقصورة على الأعضاء الستة الحاليين، ولم يتضمن أي آلية لإدخال أعضاء جدد".
وملاحظة د. أحمد هذه بخصوص توسعة عضوية دول مجلس التعاون الخليجي في غاية الوجاهة، فلا بد لدول مجلس التعاون بعد مرور أكثر من ربع قرن على ميلاد تجربتها أن تدرس توسعة عضويته والارتقاء به سياسياً واقتصادياً وعلى كل صعيد. غير أن التجربة العربية الوحدوية قد لقنتنا درساً ثميناً في هذا المجال عبر مختلف محاولاتها، وهو ضرورة تجنب اتخاذ القرارات المتعلقة بتوسعة أي اتحاد أو مجلس تعاون على أسس عاطفية أو حماسية. إذ من الممكن فتح عضوية مجلس التعاون لكل دول العالم العربي وربما حتى لبعض دول الإقليم والدول الآسيوية المجاورة للعالم العربي. ولكن مثل هذا الإجراء سيدفع دول الخليج الست، وربما دولاً عربية أخرى لوضع الشروط والاستثناءات والقوانين الخاصة مما سيلغي عملياً كل المميزات الإيجابية المتوقعة من مثل هذا التوسع في العضوية.
ونعود إلى د. أحمد يوسف أحمد، أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، لنعرض الجزء الأخير من ورقته عن واقع النظام العربي، التي قدمها لندوة "المشروع الحضاري النهضوي العربي"، والتي عقدت في فاس بالمغرب عام 2001.
يتضح من التحليل السابق للواقع العربي من المنظور الوحدوي، حسب د. أحمد أن هذا الواقع "يشير إلى تدهور مستمر في القدرة على تحقيق هدف الوحدة العربية الشاملة". ويرى الباحث خمس معضلات في الطريق:
1- فقد نشأ النظام العربي في الأصل مؤسساً على واقع الدولة القطرية، وتعامل الفكر القومي مع هذه الظاهرة بمزيج من الواقعية والمثالية، فطالب ساطع الحصري مثلاً بأن تكون الصيغة الاتحادية الفيدرالية هي الصيغة المنشودة للوحدة العربية. غير أن الوحدويين العرب فاتهم أن الانتقال إلى الحالة الوحدوية لا يمكن أن يتم قبل بناء الدولة القطرية على قاعدة مؤسسية سليمة، ولابد من إقناع الأقليات بأن مشكلاتها يمكن أن تُحل في الإطار العربي الأوسع، ثم كيف يمكن أن يتمتع قرار الوحدة بشرعية حقيقية إذا لم يكن مؤسساً على آليات ديمقراطية في الدولة القُطرية؟
2- معضلة المؤسسية، إذ أن عملية التطور الوحدوي في العالم العربي، تعلقت بإرادة الحكام وليس بقرار المؤسسات. ولعل أحد الفروق الرئيسية بين تجربة الاتحاد الأوروبي والمحاولات العربية للوحدة أن "المؤسسة" كانت هي راعية التجربة الأولى بينما كان الأفراد هم الرعاة في المحاولات العربية.
3- غياب التوازن، إذ تقوم كل التجارب الوحدوية في العالم عادة بين أطراف غير متكافئة من حيث المساحة أو عدد السكان أو الثروة الاقتصادية أو القوة العسكرية، ويلاحظ أن الفكر القومي لم يهتم بهذه المعضلة، ولم ينظر بجدية للحل الفيدرالي، وفي التجربة المصرية السورية اليمنية اعتبرت الفيدرالية نكوصاً عن المسار الوحدوي "الحق"، ونظر إليها بارتياب واضح.
4- خلافات الفصائل القومية، حيث دخلت هذه الظاهرة إلى حيز الواقع السياسي العربي في إطار تجربة الوحدة بين مصر وسوريا، حين بدأ الخلاف يدب بين جمال عبدالناصر وحزب "البعث" حول إدارة دولة الوحدة، وقد لعب هذا الخلاف دوره في إخفاق التجربة، غير أن الأخطر من ذلك، يقول د. أحمد أن الخلاف استفحل فيما بعد داخل كل فصيل على حدة، فانقسم حزب "البعث" العربي الاشتراكي، كما امتد الخلاف داخل الحركة الناصرية في عدد من البلدان العربية.
5- المؤثرات الخارجية، حيث يسرف الفكر القومي أحياناً في رد الإخفاقات إلى العوامل الخارجية والمؤامرات الدولية. ولكن رغم معاداة البيئة الخارجية للوحدة المصرية - السورية، يؤكد د. أحمد، إلا "أن العوامل الأصيلة في إخفاق محاولات الوحدة العربية هي عوامل ذاتية، أي عربية".
ويسوق الباحث مثلاً صالحاً للعبرة؛ ففي الأزمة التي تعرضت لها الوحدة اليمنية على سبيل المثال في عام 1994، كان واضحاً أن قيادة النظام العالمي متمثلة في الولايات المتحدة الأميركية لم تتخذ موقفاً مضاداً لاستمرار الوحدة، بينما تبنت معظم القوى العربية المحيطة موقفاً مغايراً!