فشل الإصلاح... نظريات في الفهم!
لم نفهم تماماً بعدُ أسباب فشل الإصلاح السياسي في عدد من الدول العربية خلال العقد الأول من القرن الحالي. والواقع أننا لا نملك الكثير لنعجب بشأنه. فما يراد تفسيره أصلاً ليس فشل الإصلاحات ولا حتى فشل الإصلاحيين وإنما امتداد عمر النظم التسلطية أو الاستقرار الخارق للقيادات والنظم السياسية الاستبدادية التي تأسست في عَقديْ الخمسينات والستينات من القرن الماضي. ووجه العجب في هذه الظاهرة أن النظم التسلطية العربية لم تحقق شيئاً يذكر من الإنجازات التي كان يمكن أن تمنحها الشرعية وتفسر استمرارها.
ومع ذلك فثمة شيء يستحق التفسير عندما نتحدث عن الإصلاحات. إذ طبقت بالفعل إصلاحات محدودة نقلت 12 دولة عربية من الواحدية إلى قدر معين من التعددية السياسية. وتمت أغلب هذه الإصلاحات في عقد الثمانينات. وبدأ نموذج التعددية المقيدة في التفسخ، وهو ما احتاج إلى استجابة إصلاحية تدفعه للأمام، على الأقل في البلاد العربية التي تعيش أزمات سياسية متواترة، وهو ما لم يحدث، الأمر الذي راكم مزيداً من التوتر.
وفي بعض هذه الدول، خاصة مصر، بدأ نوع من التمرد على الصيغة المؤسساتية التي تحمي الأمر الواقع وتمنع التغيير، مما نقل النضال الإصلاحي من "داخل النظام" إلى خارجه. وتضاف لذلك، بدون أدنى شك، الضغوط الكبيرة التي بذلتها الإدارة الأميركية في عهد بوش الابن، وتحديداً خلال عامي 2004 و2005. فقدرة بعض النظم على "مقاومة" الضغوط الأميركية والأوروبية تفتح علامة استفهام كبيرة، لاسيما أن هذه الضغوط لم تستهدف بناء ديموقراطية حقيقية وإنما مجرد تحقيق انفتاح سياسي شكلي إلى حد كبير. وبدلاً من الاستجابة للضغوط الداخلية والخارجية، وقعت نكسة للإصلاح، وخاصة في مصر والمغرب وفلسطين واليمن والجزائر، خلال العامين الماضيين.
التفسير الشائع لنكسة الإصلاحات الديموقراطية في العالم العربي شخصاني ويركز على عامل القيادة. واليوم تحفل صحف المعارضة بأقوال تركز على شيخوخة القيادات السياسية العليا في عدد من البلاد العربية. ويبدو شكلياً أن بعض هذه الأقوال وجيه فعلاً؛ إذ يصعب توقّع أن يتغير نمط تفكير القيادة في سن متقدمة من عمرها. وبوجه عام تقبل العلوم السياسية فكرة أن الأجيال الأكبر سناً تميل للمحافظة، وخاصة إن كانت المهن التي جاءت منها القيادات مشبعة بالطابع المحافظ كالأمن والجيش. ويضاف لذلك أن الأدوار التي تلعبها القيادات العليا في النظم العربية هائلة بالفعل ولا يمكن مشابهتها بالأدوار التي تلعبها في النظم الديموقراطية.
لكن نظرية شيخوخة القيادة لا تنطبق على جميع البلاد العربية، لذلك تبدو غير مقنعة لأسباب كثيرة. ففي الأردن والمغرب والبحرين، دفع الملوك الشباب التطور الديموقراطي للأمام بعض الوقت. لكن هؤلاء الملوك أنفسهم قاموا في العامين الأخيرين بوقف التطور الديموقراطي. وعلى المستوى العربي العام، لم تمنع المرحلة العمرية إدخال إصلاحات جزئية على النظام. فالمملكة السعودية كانت تدرك حاجة النظام لشيء من المرونة. لكنها أيضاً توقفت بعد إدخال بعض الإصلاحات وعاد المحافظون للهيمنة بالطرق التقليدية.
بل ثمة وجه للعجب في العلاقات الجيلية العربية. فالأجيال الكهلة والمسنة تبدو أكثر تفهماً وترحيباً بالجديد في مجالات مختلفة، بما في ذلك المجال السياسي، مقارنة بالأجيال الشابة! وبدأ أكثر القادة العرب مهنتهم السياسية من حركات وتيارات تدعو لمشروعات تحديثية طموحة، لأنهم كانوا يعيشون عصر الشعوب. أما الأجيال الشابة فبدأت منذ منتصف السبعينات تتبنى منظوراً دينياً محافظاً للغاية ويمثل انقلاباً على مفهوم سلطة الشعب، وهو ما يدافعون عنه بتأويلات لاهوتية مغلقة.
تفسير آخر يقوم على فكرة الصراع الطبقي، ففي ظن اليسار عامة أن الطبقات الرأسمالية في العالم العربي ولدت طفيلية وبعيدة تماماً عن امتلاك مشروع سياسي طموح، وأن مصالحها لا تزدهر إلا في ظل الاستبداد والتسلط السياسي. ويبدو أن هذا الشرح يتفق مع انتشار الفساد في المنطقة ومع الدور المتنامي لطبقة رجال الأعمال في البرلمانات والسياسات العربية. ويبدو بوجه عام أن هذه الطبقة تخشى الشعب والديموقراطية أكثر مما تخشى التسلط والاستبداد.
ومع ذالك تواجه هذه النظرية تعقيدات كثيرة، فالطبقات الرأسمالية قد تستفيد من النظام القائم، لكنها لا تقوده بالضرورة. وبعض هذه الطبقات ولد أصلاً في كنف السلطة الاستبدادية ولم يكن أباً لها. ومن ناحية ثانية فالاستطلاعات القليلة للرأي، والتي ركزت على هذه الطبقة، لم تكتشف أية مفارقات أو فجوات ذات دلالة إحصائية تقوم على الطبقة فيما يتعلق بتفضيلات النظم السياسية والديموقراطية بالذات. وقد نفسر هذه الظاهرة بالقول إن ثمة مفارقة كبيرة في المصالح بين الشريحة الصغيرة من رجال الأعمال الكبار المحيطين بالسلطة من ناحية، والقاعدة العريضة لطبقة الرأسماليين من ناحية أخرى. فبينما يعارض ويعيق "رجال أعمال الدولة" التطور الديموقراطي، فالطبقة ككل ليست متحدة في رفض أو قبول الاستبداد ولا الديموقراطية.
وقد نفهم تنوع مواقف الطبقة الرأسمالية من منظور آخر وهو التفاوت في المصالح والناشئ عن تعقيدات الانتقال لاقتصاد السوق. وهنا نجد تفسيراً ثالثاً لنكسة الإصلاحات الديموقراطية في العالم العربي. يقول هذا التفسير إن من الصعب للغاية إتمام إصلاحات في المسارين السياسي والاقتصادي معاً. ويشير هذا التفسير إلى فشل روسيا في ظل يلتسين في الانتقال إلى الرأسمالية والديموقراطية في وقت واحد. فما حدث هو الانهيار والفوضى. لذلك لم تبدأ عملية إنقاذ روسيا من الفوضى إلا بتحكم الدولة بقدر أكبر في العملية السياسية. ويخشى كثيرون في العالم العربي أن يقود التحول الرأسمالي لمعاناة قطاع كبير من المجتمع، خاصة من الطبقة الوسطى، مما قد يدفعها لتقويض مؤسسات الدولة وليس إصلاحها.
تحكمت المخاوف طويلاً في السياسة العربية، وبذلك صارت الثقافة العربية ثقافة خوف. وانتقلت السياسة العربية بالتالي من المبادرات إلى المخاوف، ومن المنظور الحركي إلى المنظور المحافظ. الخوف لا ينشأ من الواقع الاقتصادي وصعوبات التحول للرأسمالية. ففي جميع الحالات العربية، سواء كان البلد غنياً أو فقيراً، لم تعان الجماهير العربية مادياً مثلما عانت بلاد أخرى في آسيا وأميركا الوسطى والجنوبية من التحول الرأسمالي. ومع ذلك فالأخيرة جرفتها الموجة الديموقراطية الثالثة وظلت بلادنا على حالها من الناحية السياسية.
ويعنى ذلك أن سيطرة الأمن بذاته، صارت عاملاً أساسياً في إعاقة التطور الديموقراطي والعودة لأشد أساليب الحكم استبداداً وعنفاً. ولا يعود ذلك بالضرورة لمخاوف حقيقية، بل للتلاعب المنظم بالمخاوف.