تعتبر الفوائد المصرفية من أهم أركان ودعائم النظريات الاقتصادية، كما تعتبر من أهم أركان ودعائم النظام الاقتصادي الرأسمالي. ولقد فصل هذا النظام بين الدين والدولة، وبالتالي فإن كافة دول العالم التي تتبناه قد تأقلمت وتكيفت معه بما في ذلك أنظمته المالية والنقدية والمصرفية بكافة أدواتها وآلياتها. حيث ينظر هذا النظام إلى سعر الفائدة المصرفية على أنه ثمن أو تكلفة استغلال أو استخدام رأس المال بكافة صوره النقدية والعينية السلعية. أي بمعنى آخر أن سعر الفائدة المصرفية هو ثمن تأجير رأس المال. كما ينظر النظام إلى سعر الفائدة على أنه أداة ميكانيكية مهمة من أدوات السياسات النقدية التي تلجأ إليها الدولة. وها نحن نرى اليوم كيف أقبلت السلطات النقدية في الولايات المتحدة الأميركية على تخفيض أسعار الفوائد المصرفية بصورة لم يسبق لها مثيل، وذلك من أجل معالجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها وخلق معدل نمو اقتصادي جيد. فالاقتصاديون الغربيون يؤمنون بأن انخفاض سعر الفائدة المصرفية له إيجابيات كثيرة، حيث يؤدي إلى تشجيع الطلب على النقود، ومن ثم تشجيع الطلب الكلي وتشجيع الإنتاج، وذلك لأن عرض النقود الورقية اليوم يكون تحت سيطرة الدولة.
بيد أنهم يؤمنون أيضاً بأن سعر الفائدة الاسمي لا يمكن أن يصل إلى الصفر مهما انخفضت قيمته، وذلك من منطلق أن كلفة استغلال رأس المال لا يمكن أن تكون صفراً، فلابد إذاً من وجود حد أدنى له. أما سعر الفائدة الحقيقي فهو مرتبط بمعدل التضخم النقدي، وبالتالي فإنه من الممكن جداً أن يصل إلى الصفر وأن يكون أيضاً سالباً فيما لو ارتفع معدل التضخم النقدي بنسبة أعلى من سعر الفائدة الاسمي. وبالتالي فإن سعر الفائدة المصرفية يصبح آلية مهمة من آليات النظام الاقتصادي الرأسمالي وجزءاً محورياً لا يتجزأ من فلسفة النظام ذاته، حيث تسود سلطة رأس المال وتختفي سلطة المبدأ والقيمة الإنسانية والمعنوية. أما الاقتصاد الإسلامي فيفرق بين رأس المال النقدي ورأس المال العيني. ويجوز تأجير رأس المال العيني، فهو رأسمال سلعي حقيقي يساهم بالفعل في العملية الإنتاجية ويتحمل مخاطر الاستثمار بكامل معانيها ويتعرض للإهلاك المادي والفني. ولا يجوز في الاقتصاد الإسلامي تأجير رأس المال النقدي، والذي هو في الحقيقة وسيلة وأداة نستطيع من خلالها الحصول على رأس المال العيني. فالنقود بحد ذاتها غير منتجة ولا تتعرض للإهلاك المادي والفني ولا تتحمل مخاطر الاستثمار إلا إذا تم تحويلها إلى رأسمال عيني سلعي. أما بالنسبة لاهتلاك النقود وانخفاض قيمتها الحقيقية وقوتها الشرائية بسبب التضخم النقدي فنحن نعتبر التضخم النقدي ظاهرة اقتصادية مرتبطة بطبيعة النظام الاقتصادي الرأسمالي وفلسفته وهي ظاهرة قابلة للعلاج الجزئي والكلي، وبالتالي فلا يمكن أبداً إحداث تغيير وتعديل في أصول ديننا الحنيف وثوابته لأجل حل ظاهرة اقتصادية قد تكون عارضة وليست ذات صلة بالنظام الاقتصادي الإسلامي. وتأسيساً على ذلك فقد أجمعت كافة المجامع الفقهية منذ اجتماعها الثاني بالأزهر الشريف في عام 1965 حتى يومنا هذا على حرمة الفوائد المصرفية بكل صورها وأشكالها ومقاديرها (أي معدلاتها)، وذلك لأنها هي ذاتها الربا مع اختلاف مسماه. فالأحكام الشرعية بمقاصدها وروحها وغاياتها لا بألفاظها. (راجع : مجلة " الاقتصاد الإسلامي"، بنك دبي الإسلامي العدد 101 نوفمبر 1989، وكذلك العدد 108 يونيو 1990). والحقيقة أن الفوائد المصرفية بصورتها المعهودة تسبب أضراراً بالغةً على الأنظمة الاقتصادية، ولا مناص من تحاشي تلك الأضرار إلا بالأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي. ومن تلك الأضرار ما يلي:
1: يؤدي النظام المصرفي الربوي إلى تدعيم حالات الأغنياء ونمو ثرواتهم فيزدادون غنىً بصفة مستمرة، ويؤدي كذلك إلى زيادة بؤس الفقراء وتردي أحوالهم فيزدادون فقراً إلى فقرهم. فالمصارف تدفع معدلات فائدة أكبر للودائع المصرفية الأكبر (أي لكبار العملاء)، تحت منطق تجارة الجملة في الخدمات المصرفية. وفي الوقت ذاته تأخذ المصارف معدلات فائدة أكبر على القروض والتسهيلات المصرفية الأصغر (أي صغار العملاء)، تحت منطق تجارة التجزئة في الخدمات المصرفية.
2: يعطي النظام المصرفي الربوي ميزةً وأفضليةً للمنتج والمستثمر الكبير (أي المشروع الكبير)، حيث يحتسب عليه أسعار فائدة أقل في حالة حصوله على القروض والتسهيلات المصرفية، وأسعار فائدة أعلى في حالة إيداعه لأموال فائضة عن حاجته. وهذا في الحقيقة من شأنه أن يخلق عقبة كؤود أمام المنشآت الصغيرة والناشئة ويحول دون قدرتها على المنافسة، وذلك بسبب ارتفاع تكلفة الحصول على القروض والتسهيلات المصرفية بالنسبة لها عند مقارنتها بالمنشآت الكبيرة. ولا شك أن ذلك يؤدي إلى إضعاف فرص المنافسة وضياع الفرص المتكافئة وبروز المنشآت العملاقة التي قد تمارس الاحتكار بمختلف صوره وأشكاله.
3: يعتبر سعر الفائدة هو ثمن استخدام رأس المال، وبما أن رأس المال وما يرتبط به من تكن