في إحدى لحظات اغتمامه التي كانت تجتاحه بين الفينة والأخرى، قال إسحاق نيوتن ذات مرة بأنه يستطيع قياس حركة الأجرام السماوية البعيدة، لكنه لا يستطيع قياس حجم الحماقات البشرية! ومن تلك الحماقات ما تابعناه في وسائل الإعلام مؤخراً بشأن احتيال"بيرنارد مادوف" أحد كبار المضاربين الأميركيين على المستثمرين الذين عهدوا إليه بأموالهم مبذراً ما لا يقل عن 50 مليار دولار. ومع أن المبلغ الكبير والمخيف في نفس الوقت يقترب من مجموع المبالغ المالية التي فقدتها شركتا "إنرون" و"وورلدكوم" في عمليات الفساد الشهيرة التي هزت عالم الأعمال في أميركا قبل بضع سنوات، يبقى الأنكى في هذه العملية تلك القائمة الطويلة من الشخصيات والمشاهير التي تعرضت للخداع وانطلى عليها الاحتيال. واللافت أن مادوف لم يكن شخصاً دخيلا على عالم المال والاستثمار، بل كان لما يناهز الخمسين عاماً، إلى جانب شركته التي أسسها، أحد الأركان الرئيسية لوول ستريت، كما أنه ساهم مع أخيه في إنشاء مؤشر "نازداك" وساعد صناعة الأوراق المالية على إحداث نقلة نوعية نحو المضاربة الإلكترونية. وإذا كان الشاعر الإنجليزي "روبرت جريفيز" قد قال مرة إن الشعر يخلو من المال كما يخلو المال من الشعر، في محاولة للفصل بين العالمين المتباعدين، فإن الأمر لا يخلو أحياناً من أجناس أدبية أخرى تختلط بعالم المال، مثل التراجيديا والمسرح الهزلي كما يمكن رصدها بوضوح في البيان الرنان الذي يظهر على الموقع الإلكتروني لشركة المحتال مادوف، حيث جاء فيه "في عصر تمتلك فيه منظمات مجهولة مؤسسات مجهولة الاسم، ترجع شركة برنارد مادوف للأوراق المالية إلى مرحلة سابقة في عالم المال والاستثمار، فاسم الشركة معلق على الباب، كما يعرف عملاؤنا أن برنارد مادوف يحرص دائماً على سجله الناصع من القيم والمعاملة العادلة، فضلا عن المعايير الأخلاقية العالية التي كانت على الدوام العنوان الأبرز للشركة". لكن ما تستدعيه اللحظة الغارقة في عبثيتها ليس الشاعر الإنجليزي، بل شخصية إعلامية قالت في إحدى المناسبات: "سر الحياة هو الشرف والمعاملة المنصفة، إذا استطعت ادعاء تلك القيم زوراً فقد نجحت في الحياة". لذا وأمام هذا النفاق الفاقع نجد أنفسنا مدعوين لاستخلاص الدروس أولا، ثم فك طلاسم الغموض والحيرة ثانياً. أما الدروس فتتضح كلما دق مسمار جديد في نعش "وول ستريت" وغرقت سفنها أكثر في الأزمة المالية. فقد تبين بجلاء فشل تجربة تحرير النظام المالي الذي كان محط إجماع الحزبين في الولايات المتحدة، كما أن التحذيرات التي يطلقها البعض من أن الرجوع إلى مرحلة المراقبة والتدقيق في السوق المالي سيخنق الإبداع، باتت متجاوزة ومردود عليها. فمهما ارتفعت تكاليفها النظرية تبقى المراقبة أرخص بكثير من التدخل المباشر، وليس الإصرار المطلق على أولوية "الخيار الفردي" و"الأسواق الحرة" سوى كلام فارغ لا أساس له على أرض الواقع. فنظام يسمح لدجال مثل مادوف بخداع ليس فقط الأرامل واليتامى، بل أيضاً المستثمرين العارفين، لا يمكن أبداً تسميته بالسوق، إنه بالأحرى ساحة لإطلاق الرصاص، لذا نحن في حاجة ملحة لإعادة التحكم في سوق الأوراق المالية وإخضاعها للرقابة لأنه إذا لم نفعل سيهرول المستثمرون الأجانب منسحبين من وول ستريت مثل البنوك الأوروبية التي احتال عليها مادوف، وهي الهجرة التي لاشك أنها ستنال من الموقع الأميركي على خريطة النظام المالي العالمي. وبعد استخلاص الدرس يأتي دور الغموض والحيرة التي يتعين تبديدهما، فكيف يمكن لمستثمرين محترفين وشخصيات مهمة في مجالات عملها أن تسقط فريسة لأحابيل مادوف؟ جزء من الجواب يمكن في المشورة السيئة التي تلقوها أثناء الاستثمار، لكن الجزء الآخر من الجواب يرجع إلى مغالطة "أذكى شخص في القاعة" التي كثيراً ما ينخدع بها الناس، حيث غالباً ما تلف الشركات عملياتها بغلالة كثيفة من الضباب تحت مسميات عدة مثل الابتكار الخلاق وغيرها. ومع أن الاستثمارات التي قامت بها شركة مادوف يُفترض أنها تستند إلى عمليات رياضية معقدة، تبقى الحقيقة أنه فيما يتعلق بوول ستريت لا يعرف المرء ما الذي سينجح من استثمارات وما الذي سيفشل، وبالتالي لا يمكن أبداً التعرف على الشخص الأكثر ذكاء الذي يترقبه الجميع. ومع الأسف سيستمر عالم مادوف معنا لفترة مديدة طالما وجد من يعتقدون أنهم محظوظون إلى درجة لا ينطبق عليهم قانون الجاذبية، وبأنه إذا صعد نجمهم يستحيل أن يأفل. تيم روتين كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"