السرقة الإسرائيلية للآثار
لاشك أن قرار إسرائيل ضم الحرم الإبراهيمي على لائحة مواقعها الأثرية، يمثل عدواناً على الطبيعة الإسلامية للحرم، ويستفز المشاعر الدينية ليدخلها في لب الصراع مع الاحتلال.
هذا القرار ليس سوى جزء أخير من مجهود ضخم قامت به الحركة الصهيونية منذ مطلع القرن العشرين لانتحال حق الملكية التاريخية لأرض فلسطين، بما عليها من آثار وثقافة إنسانية يجسدها الشعب الفلسطيني.
في أبحاثي عن هذه المسألة صككت مقولة أرجو أن تشيع بين الإعلاميين والدبلوماسيين العرب، وهي أن الشعب العربي الفلسطيني يجسد خلاصة التطور السلالي والحضاري لكافة الشعوب والحضارات التي مرت على فلسطين منذ بداية التاريخ الإنساني.
هذه المقولة تعني أن الشعب الفلسطيني الذي تقول أسفار العهد القديم: إنه كان موجوداً في الأرض تحت اسم الفلستينيين بجوار الكنعانيين والمؤابيين والعمونيين وغيرهم عند دخول العبريين إليها مع يشوع بن نون، قد اندمج على مر العصور في كل الشعوب، وأنه بقي راسخاً على الأرض على مدى 3500سنة وأكثر.
معنى المقولة أن حق الملكية التاريخية لفلسطين ثابت ومكفول لهذه الخلاصة البشرية والحضارية التي واصلت وجودها حتى مطلع القرن العشرين. معنى المقولة أيضاً أن ادعاء جماعة بشرية من أصول عرقية قوقازية وتركمانية وأوروبية تدين باليهودية بأنها صاحبة الحق التاريخي، هو ادعاء باطل. فليس لهذه الجماعة التي أنشأت الحركة الصهيونية أي اتصال تاريخي بالعبريين القدماء الذين دخلوا إلى فلسطين مع يشوع بن نون، وذابوا مع الزمن في بوتقة الأرض، وحضارتها وسلالتها الموحدة.
ولكي يتيقن القارئ من صحة ما نقول وأنه ليس نوعاً من الدفاع الإنشائي عن الحق العربي، فإنني أحيله إلى أحدث كتاب صدر عن المؤرخ الإسرائيلي "شلومو ساند"، تحت عنوان "اختراع الشعب اليهودي" أن الباحث يثبت بالبحث التاريخي ونتائج الحفريات الأقرية مقولتنا حيث يرى أن مفهوم "الشعب اليهودي" هو مجرد اختراع قامت به الصهيونية لتبرر الاستيلاء على أرض شعب آخر، هو أقرب إلى شعوب فلسطين القديمة بما في ذلك العبريون من يهود أوروبا. لقد أثبت أن يهود أوروبا لا صلة لهم بالشعوب السامية وأنهم نتاج عملية تبشير بالدين اليهودي، حيث اعتنقت مملكة الخزد التي كانت موجودة في جنوب روسيا بين القرنين الثامن والثاني عشر الميلاديين الديانة اليهودية.
لقد تشتت الكتلة السكانية لهذه القبيلة في شرق أوروبا بعد ذلك بعد حرب ضروس شنتها عليها كييف. هنا يصل المؤرخ "ساند" إلى أن اليهود الأوروبيين الذين أنشأوا الحركة الصهيونية، وفكرة الوطن القومي لليهود في فلسطين وهاجروا إليها، هم مجرد غزاة لا صلة لهم بتاريخ الأرض.
إن ادعاء الملكية التاريخية للصهاينة إذن يظهر باطلاً في عين البحث التاريخي بكل ما يترتب عليه وما يتفرع عنه من عمليات سلب. علينا إذن أن نضع عملية سلب الحرم الابراهيمي في سياق عملية أوسع هي عملية انتحال صفة مالك الأرض واغتصابها بالدعم الغربي الاستعماري.
إن المخططات الصهيونية لانتحال ملكية الآثار وإزالة الطابع الإسلامي عنها هي مخططات باطلة ليس فقط من وجهة نظرنا كعرب أو مسلمين بل من وجهة نظر البحث التاريخي.
وهنا يجب أن نحشد القوى الدولية في اتجاه العدل لتصحيح الجريمة الكبرى التي تفرز جرائم فرعية كل يوم.