غزو أم فتح مصر؟
غيّرت وزارة التربية والتعليم المصرية درس "الفتح العثماني لمصر" إلى "الغزو العثماني لمصر" في أحد كتبها المقررة على الطلاب للعام الدراسي الجديد، وذلك للمرة الأولى في تاريخ المناهج المصرية.
وفي شرح درس الغزو العثماني يوضّح الكتاب "أن السبب في وقوع الغزو هو رغبة السلطان العثماني سليم الأول في توسيع ممتلكاته في الشرق عن طريق الاستيلاء على مصر التي تمثل قلب العالم الإسلامي"، وذلك عبر اللجوء إلى استخدام الدين "لاستمرار فرض سيطرتهم على العالم العربي".
وعند استعراض تعليقات القراء على الخبر الذي تداولته الكثير من المواقع الإلكترونية، تجد أن الأغلبية ضد هذا التغيير وأنها سرقة تاريخية تهدف إلى محو الهوية الإسلامية للعرب وتمهّد لوصف الفتح الإسلامي لمصر بالغزو، ومن أساليب القوى الاستعمارية ومن يوافقهم في الهوى من النخب العربية لضرب فكرة دولة الخلافة في مقتل، ذلك أن الحكم العثماني لمصر، حسب هؤلاء، حال دون استغلال الدولة الصفوية ضعف وفساد المماليك الذين كانوا يحكمون مصر، ووقف في وجه الأطماع الإسبانية والبرتغالية في بلاد المسلمين.
وأقلية مع التغيير معتبرة أنها خطوة مهمة في الطريق نحو منع المزيد من تزييف الوعي، فالعثمانيون في نظرهم استغلوا الدين كما فعل قبلهم الفاطميون باستغلال محبة المصريين لآل البيت، وأن إنهاء العصر المملوكي على أيدي العثمانيين في العام 1517 ميلادية تسبب في ضياع استقلال مصر وتحضّرها الثقافي وتحويلها إلى ولاية تابعة للآستانة لثلاثة قرون.
وصف ما حصل في مصر آنذاك بالغزو لن يغير القناعات المترسخة في النفوس منذ قرون، وسيحرص جيل بعد جيل على تكذيب ما جاء في الكتاب، خصوصاً في أوساط المتدينين وهم الأغلبية، ومع "سليم الأول" بالذات الذي لا يمكن إنكار إنجازاته حتى وإن لم تكن لوجه الله تعالى.
وفي الوقت نفسه فإن "تنظيف" المنهج المصري من وصف السيطرة العثمانية على مصر بأنه فتح يساهم في بقاء الصورة المشرقة للخلافة الإسلامية الراشدة في الأذهان، ويمنع المزيد من تشويه صورة الإسلام الذي جاء به الرسول محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم.
ارتبطت كلمة الفتح عند المسلمين بقيمة دينية وبشرى إلهية بـ"نصر من الله وفتح قريب"، يعني فتح مكة، وقيل فتح فارس والروم، أي أنها مرتبطة بالعهد النبوي والخلافة الراشدة، وليس من الحكمة استعمال كلمة فتح لحروب السيطرة والإخضاع والتنافس على الدنيا التي حدثت منذ أن تحولت الخلافة إلى مُلك عضوض ووراثة وسياسة في سياسة، خصوصاً إذا كانت البلاد "المفتوحة" تدين بالإسلام من الأساس، ومنذ قرون طويلة، وقبل أن يدخل أجداد "الفاتحين" المزعومين الإسلام، فإسلام المصريين سبق إسلام الأتراك بعصور.
إن وضع ختم "الفتح" على حروب ما بعد العهد الراشدي يفقد ذلك الختم قيمته واحترامه، ولا يستوي من يجاهد في سبيل الله، خصوصاً إذا كانت سيرته تؤكد ذلك، بمن يحارب في سبيل توسيع مملكته ليورث أبناءه وأحفاده دولة مترامية الأطراف، خصوصاً إذا كانت أفعاله تؤكد ذلك، مثلما لا يجوز أن نساوي بين الطبيب الذي يفتح بطن المريض ليستأصل الأورام الخبيثة، وبين الطبيب الذي يفتح بطن المريض ليسرق كليته أو يفتحه من دون داعٍ غير زيادة أرقام الفاتورة، رغم أن كلاهما طبيب، وكلاهما فتح بطن المريض.
سواء كان دخول العثمانيين مصر برداً وسلاماً على المصريين أو استغلالاً لهم وإعادتهم إلى الوراء، فإني أعتقد أن الوصف الأنسب هو الضم أو السيطرة أو الإخضاع، وليس الغزو، وليس الفتح بأي حال من الأحوال.