الحج... رحلة العِبَر
في هذه الأيام المباركة التي يتوجه فيها المسلمون من مشارق الأرض ومغاربها إلى بيت الله الحرام، يجدر بنا ونحن نتأمل أفواج الحجيج الطائفين بالكعبة، أن نضع معاني الحج ومقاصده تحت منظار التأمل والتشخيص، وأن نستشعر عظمة هذه الشعيرة. فالحج مدرسة إيمانية عظيمة توحد المسلمين تحت راية واحدة وسقف إيماني واحد، يتزودون منها بالطاقة الروحية ويجددون حياتهم فيها، ويتعلمون منها كيف يوثقون علاقتهم بربهم وكيف يربون أنفسهم على مكارم الأخلاق وكيف يطهروها.
إن الحج جامعة إسلامية تجمع شمل المسلمين في كل سنة، لذلك فهم مطالبون باستغلال هذه الفرصة العظيمة وبجعل مناسكها قاعدة شرعية ليقظة الأمة وتغذية روحها وقوتها وحركتها بين الأمم. إن عظمة هذه الرحلة الإيمانية أن جعلها الله من أفضل وأبرِّ الأعمال الصالحة التي يتعلم منها الفرد المسلم جهاد نفسه وتطهيرها، لا تحويلها إلى رحلة للنزهة التي حذر منها رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، عندما قال: "يأتي على الناس زمان يحج أغنياء أمتي للنزهة وأواسطهم للتجارة وقراؤهم للرياء وفقراؤهم للمسألة".
إن جوهر الحج المقبول أن يتمثل الإنسان المسلم كل شعائر هذه الفريضة؛ فإذا غادر بيته تصور الخروج من الدنيا والفناء، وإذا لبس الإحرام تذكر التجرد والكفن، وإذا دخل المسجد الحرام استحضر هيبة المكان، وإذا طاف بالكعبة تذكر أنه يطوف حول أول بيت وضع للناس في الأرض، واستحضر ما رواه ابن عباس رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، أنه قال: "ينزل الله كل يوم على حجاج بيته الحرام عشرين ومائة رحمة، ستون للطائفين وأربعون للمصلين وعشرون للناظرين"، وإذا لامس الحجر الأسود يتذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، وعند باب الملتزم يدرك أن الله تعالى قد يغفر له بصدق توبته، وإذا سعى بين الصفا والمروة تذكر موقف أمنا هاجر، وإذا شرب من ماء زمزم تذكر البئر التي انفجرت تحت قدمي سيدنا إسماعيل عليه السلام وفرحة أمنا هاجر ودعوة سيدنا إبراهيم: "ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم، ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم"، وإذا وقف بعرفات تذكر يوم القيامة والبعث واسترجع قول أنس رضي الله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه وقف بعرفات وقد كادت الشمس أن تؤوب فقال: "يا بلال أنصت لي الناس، فقام بلال فقال: انصتوا لرسول الله، فأنصت الناس، فقال: "معشر الناس أتاني جبريل عليه السلام آنفاً فأقرأني السلام وقال: إن الله عز وجل غفر لأهل عرفات وأهل المشعر الحرام وضمن عنهم التبعات"، وإذا صلى تذكر قوله عليه الصلاة والسلام: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وقوله: "إن الله يغفر للحاج ولمن استغفر له الحاج". وهكذا سوف يعود الحاج كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، "من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه".