"الطبقية"... "كعب أخيل" التعليم الأميركي
كفانا حديثاً عن "سبوتنيك". هذا ما كان يُقال في كل مرة - تقريباً- يصدر فيها تقرير لمنظمة عالمية أو أميركية عن تدني مستوى التعليم الأميركي، وتأخر مستوى طلابنا عن باقي طلاب العالم. و"سبوتنيك" لمن لا يعرف اسم سفينة الفضاء الشهيرة، التي دشنت السبق السوفييتي في اكتشاف الفضاء على حساب الولايات المتحدة عام 1957.
وعلى ما يبدو أن تكرار الحديث عن "سبوتنيك" لم يعد يجدي نفعاً ولا يدفع أحداً في أميركا للتحرك. كانت آخر صدمة تلقاها الأميركيون في هذا الشأن، تلك التي ترافقت مع إعلان نتائج "برنامج التقييم الطلابي الدولي" الذي يرمز إليه بالحروف" PISA، والذي تم بموجبه تقييم مستوى الطلاب من سن 15 عاماً فما فوق، في 65 دولة من دول "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية"، في مواد الرياضيات، والعلوم والقراءة (لم يتم قياس مستوى التعليم في الصين بشكل عام، وإنما في شنغهاي وهونج كونج وماكاو فقط).
وقد جاءت الصدمة من أن الولايات المتحدة احتلت المركز 24، أي أنها صُنفت ضمن الدول متوسطة المستوى من بين دول المنظمة المذكورة.
وتعليقاً على هذه النتيجة قال أوباما في كلمة له مؤخراً" بعد مرور ما يقرب من خمسين عاماً ها هو جيلنا يواجه لحظة "سبوتنيك الخاصة به". وعلق "تشيستر ئي.فين جي آر" الذي خدم في الفريق التعليمي لريجان في حديث أجرته معه نيويورك تايمز على ذلك بقوله:"يا إلهي... كم أنا مصعوق عندما يرن في أذني صدى اسم سبوتنيك مرة أخرى".
لمعالجة ما كشف عنه التقييم الأخير من أوجه قصور، قامت كل من بريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أخرى بالإعلان عن خطط لإعادة تقييم وإصلاح منظوماتها التعليمية. وهذه الدول تتفق على شيء أساسي، وهو إنه إذا تم تحسين مستوى الطلاب الأقل أداءً ، فإن مستوى الأداء العام للنظام التعليمي لن يكون سيئاً بدرجة تدعو للقلق.
ومشكلة انخفاض أداء الطلاب في الولايات المتحدة ليست بالمشكلة العِرقية، بمعنى أن أداء الطالب لا يرتبط بانتمائه لعرق معين وإنما بأسباب أخرى. لا خلاف على أن مستوى الطلاب البيض وذوي الأصول الآسيوية أفضل من أداء الطلاب من أصول أفريقية أو إسبانية، ولكن ذلك الأداء الأفضل لا يرجع إلى فروق تتعلق بالعرق بقدر ما يتعلق بفروق طبقية. عدم المساواة الطبقية في نظر الكثير من خبراء التعليم هي الآفة التي يعاني منها التعليم الأميركي بشكل عام.
فالمدارس المتميزة، ذات المصروفات الباهظة، التي يقتصر القبول بها على أبناء الطبقات الميسورة مادياً، غالباً ما يكون أداء طلابها أفضل، بسبب توافر الإمكانيات المادية التي تيسر التغلب على العديد من المشكلات وتضمن الحصول على المعلمين المتميزين، وتؤدي إلى ارتفاع مستوى التعليم في تلك المدارس بشكل عام.
أما في المدارس التي تقع في المناطق الفقيرة فهي مدارس تفتقر إلى الكثير من الإمكانيات كما أن الطلاب الذين يدرسون فيها غالبا ما ينتمون إلى أسر تعاني من العسر الاقتصادي بدرجة أو أخرى وغالبا ما يكون المدرسون العاملون بها من ذوي الكفاءة المتوسطة، مما ينعكس على مستواها التعليمي.
وتشير معظم الدراسات التي أجريت من أجل إصلاح التعليم إلى أن موضوع الفروق الطبقية يشكل عنصراً ذا أهمية جوهرية في تحديد المستوى التعليمي، وتحديد الأداء التدريسي، والإنجاز الطلابي على حد سواء. وقد أوضح برنامج "عدم ترك طفل واحد من دون تعليم"، الذي تبنته الإدارة الأميركية السابقة، و لا يزال معمولًا به حتى الآن أن هذا الموضوع يشكل تحدياً يواجه كافة الجهود الرامية لرفع الأداء التعليمي.
ولكن هذا التحدي في نظر الخبراء ليس من النوع الذي يستحيل التعامل معه، بل قابل للمعالجة لحد كبير. ويشار إلى أن مركز أميركا بالنسبة للمعدلات التي يحصل عليها الطلاب عند التخرج من المدارس الثانوية قد تقلص من المركز الثاني إلى الثالث عشر خلال الفترة ما بين 1995 -2008، ولكن هذا لم يكن بسبب أن مستوى طلابها قد تدهور بقدر ما كان نتاجاً لارتفاع مستوى طلاب الدول الأخرى.
وفي رأيي أننا إذا ما ركزنا جهودنا على معالجة المسألة التي تمثل "كعب أخيل" التعليم الأميركي، وهي مسألة التفاوت الطبقي، فإن مستوى خريجينا العام يمكن أن يرتفع مرة أخرى(سوف يتطلب هذا رفع متوسط العلامات التي يحصل عليها الطلاب عند التخرج من مستواها الحالي وهو 69 في المئة(كان هذا المتوسط يبلغ 77 في المئة في العام 1969).
على الرغم من التدهور الذي حدث في أداء المدارس العامة الحكومية الأميركية، لا تزال هذه المدارس بما فيها من طلاب ومدرسين وإداريين تؤدي بشكل أفضل كثيراً من أداء المدارس الحكومية في الدول الأخرى، والتي عادة ما تكون فصولها مكتظة بأعداد كبيرة من الطلاب، وتعاني من ضعف الإمكانيات والكفاءات التدريسية.
والهدف الذي يجب أن نسعى إليه من أجل تحسين المستوى العام، وكما جاء في التقرير الخاص بمعالجة القصور في المجال التعليمي، هو العمل على تدريب المدرسين على الأساليب التدريسية المتطورة التي تساعد على تخريج طلاب يصلحون للعمل في بيئة الاقتصاد القائم على المعرفة.
ماري سانشيز
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
محللة سياسية أميركية متخصصة
ينشر بترتيب خاص مع خدمة"إم. سي.تي إنترناشيونال"