في كتابه الذي نعرضه هنا، وعنوانه "السياسة الخارجية الألمانية تجاه منطقة الخليج العربي"، يحاول الدكتور أبراهارد زاند شنايدر، مدير مركز البحوث ورئيس قسم دراسات الصين وآسيا والمحيط الهادي في المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، استكشاف الموروثات والضوابط في سياسات ألمانيا والاتحاد الأوروبي تجاه منطقة الخليج العربي، كما يناقش التغييرات اللازمة من أجل توسيع التعاون المتبادل بين ألمانيا ودول "التعاون" الخليجي. وقبل ذلك يوضح الكتاب أن فهم السياسة الخارجية الألمانية تجاه منطقة الخليج، يتطلب الانتباه إلى وجود إجماع كبير لدى المؤسسات الرئيسية والأحزاب السياسية وكبار اللاعبين في السياسة الخارجية الألمانية، على ثلاث قواعد رئيسية هي: "عدم تكرار الحوادث ثانيةً" (خاصة الهولوكوست)، و"عدم التصرف بشكل منفرد" (أي بعيداً عن الاتحاد الأوروبي والناتو)، واعتماد "الوسائل السلمية فقط" (دور ألمانيا كقوة مدنية). وفي هذا الإطار أيضاً يذكر الكتاب أن الموروثات التاريخية، لاسيما السياسات الألمانية تجاه إسرائيل، لعبت وتلعب دوراً مهماً في السياسة الخارجية لبرلين. وفي التفاصيل يتبين أن السياسة الخارجية الألمانية إزاء العالم العربي منقسمة إلى مناهج متعددة بين المغرب والمشرق ومنطقة الخليج. فبعد مرور 20 عاماً على إعادة التوحيد، تبدو معايير السياسة الخارجية الألمانية واضحة، رغم النقاشات المهمة حول ظهور روح الوطنية في الدور الألماني داخل الاتحاد الأوروبي. لكن بسبب الأهمية الاقتصادية لألمانيا، فهي ذات دور قيادي داخل الاتحاد الأوروبي. وعلاوة على ذلك، فإن ألمانيا تؤكد دائماً الحاجة إلى الاستقرار في منطقة اليورو، وتدعم عملية التكامل والاندماج الأوروبية برمتها. وكما يوضح زاندشنايدر بشكل مبسط، فإن السياسة الخارجية الألمانية تجاه الشرق الأوسط لا تزال تحكمها المصالح الاقتصادية، والاعتبارات الأمنية والاستراتيجية فقط في بعض الجوانب النادرة جداً. ومن منظور عام، فهو يرى أن غياب المنهج الاستراتيجي المنسق يمثل إحدى نقاط الضعف الأساسية للسياسة الخارجية الألمانية، والتي أصبحت عالمية بشكل متزايد خلال الأعوام القليلة الماضية، لكنها حيال منطقة الشرق الأوسط ظلت وستظل خاضعة للموروثات التاريخية، والشراكة الأطلسية مع الولايات المتحدة، ومقتضيات الدور الألماني في التكامل الأوروبي؛ علاوة على الاهتمام بالقضايا الاقتصادية، رغم ما يلاحظ من حضور للمستثمرين الفرنسيين والبريطانيين والأميركيين في عدد كبير من مشروعات البنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة، مقابل محدودية المبادرات الألمانية في هذا الشأن. فهذه المبادرات، يقول المؤلف، تتطلب سياسة خارجية نشطة ترغب في تغليب المصالح الألمانية، دون التخلي عن الدور الأوروبي أو عن التحالف العابر للأطلسي. هذا رغم ازدياد الأهمية الجيوسياسية لمنطقة الخليج، ورغم تلوث سمعة الاستراتيجية الأميركية في المنطقة، الأمر الذي سمح لأوروبا بالتدخل وإظهار مزيد من الانخراط في الشأن الشرق أوسطي. وفي هذا الخصوص يعتقد المؤلف أن التحدي الأساسي يكمن في الاستجابة لتطورين مختلفين: الأول يتميز بالصعود السياسي والاقتصادي المستمر لدول منطقة الخليج، أما الثاني فيتمثل في تبني السياسة الخارجية الألمانية، وبشكل متواصل، للتغييرات الهيكلية والتحديات السياسية ضمن النظام العالمي الجديد. لذلك يوصي المؤلف بأن تعمل السياسة الخارجية الألمانية على تطوير استراتيجية نشطة لتشجيع التعاون مع دول الخليج، سعياً لتأمين مصالحها التجارية، وللحيلولة دون حدوث تصعيدات أمنية، ولتجنُّب مزيد من الانزلاقات في الوضع السياسي للمنطقة. ولتبني مثل هذا النهج، يدعو المؤلف إلى إيجاد منظور مختلف حول دور الاتحاد الأوروبي في الشؤون العالمية، وذلك وفق مبدأين أساسيين: الأول؛ إنه ينبغي للاتحاد الأوروبي التخلي عن سياسة وعظ العالم حول القيم الخاصة به، والاعتماد بدلاً من ذلك على سياسة التغيير التدرجي المبنية على نشر القيم بدلاً من محاولة فرضها. الثاني؛ هو الالتقاء بالشركاء في الأمكنة الوسطى التي تحقق مصالحهم، بدلاً من الدفع بسيطرة جدول الأعمال على جانب واحد فيما يتعلق بالتعاون المتبادل. وفي الأخير، يرى المؤلف أن العثور على طرق جديدة وأكثر توازناً للتعاون، هو شرط أساسي وضروري لقدرة الاتحاد الأوروبي على الاحتفاظ بموقعه كقطب كبير في عالم متعدد الأقطاب بشكل متزايد أكثر من أي وقت مضى. وفي هذه الإطار، فإن مستقبل تطوير العلاقات بين ألمانيا والاتحاد الأوروبي من جهة ودول الخليج العربية من جهة ثانية، يمكن أن يأخذ بُعداً خلاقاً للتعاون المتبادل بين الجانبين. محمد ولد المنى --------- الكتاب: السياسة الخارجية الألمانية تجاه منطقة الخليج العربي المؤلف: أبراهارد زاند شنايدر الناشر: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية تاريخ النشر: 2012