رأسمالية الدولة الصينية
أثارت قصة الصعود الاقتصادي الصيني، خلال السنوات القليلة الماضية العديد من الأسئلة حول أسرار هذا النجاح في بلد يعاني أصلاً من عبء سكاني يفوق المليار، وكانت بنيته التحتية ومستوى الدخل فيه حتى عهد قريب في حال يصنف ضمن الدول النامية، إن لم يكن ضمن الدول الفقيرة. وقد تساءل كثيرون أيضاً خلال السنوات الأخيرة عن الكيفية التي يتم بها التعايش بين حكم الحزب الشيوعي والليبرالية الاقتصادية، وهما نقيضان إيديولوجيان، إن عدنا إلى التصنيفات التقليدية لمفهومي الليبرالية والشيوعية! وضمن الكتاب الذي نشير هنا بشكل خاطف إلى بعض محتوياته تثير الكاتبة الفرنسية "ماري- كلير برجير" مسألة "الصين، ورأسمالية الدولة الجديدة"، متحدثة عن العلاقة الصعبة بين اقتصاد ليبرالي شبه رأسمالي قائم، وحزب شيوعي حاكم، يفترض من التوصيف المعهود لإيديولوجيته أن يكون التسيير المركزي لدورة الاقتصاد مبدئياً وركيزة سياسية موجهة للقطاع العام على الأقل. وبين دفتي الكتاب تتساءل الكاتبة، وهي متخصصة معروفة في الشؤون الصينية، وقد ألفت من قبل عدة أعمال عن بلاد التنين، عما إذا كانت رأسمالية الأمر الواقع التي تسود الاقتصاد وتقود عملية التحديث في الصين، ستجر وراءها أيضاً تبعات دمقرطة أمر واقع كذلك، بحكم الترابط السببي والذهني المعتاد بين الديمقراطية والليبرالية.
والحقيقة أن أسئلة ازدواجية السياسة والاقتصاد ظلت مطروحة بقوة في صلب النقاشات حول الصين منذ مطلع العقد الماضي، وما تميل إليه مؤلفة الكتاب هو ضرورة التحرر الآن من التصنيفات المدرسية التقليدية لمفهومي الرأسمالية والشيوعية نفسيهما، والنظر إلي النموذج الاقتصادي والسياسي الصيني الراهن من منظور مختلف مؤداه أن هنالك رأسمالية دولة من نوع جديد آخذة في التشكل، يكون قوامها قطاع عام حيوي وقوي ومتجدد يلعب دور الرافعة والمحرك للاقتصاد العام، ويعمل بتكامل وتناغم مع قطاع خاص مؤثر أيضاً، ومن هذين المكونين تأتي عناصر قوة الاقتصاد الصيني الذي بات دوره محورياً على صعيد دولي، وأية هشاشة أو اختلال قد يصيبانه ستكون لهما بالضرورة تداعيات كارثية علي الاقتصاد العالمي كله.
وفي الجانب السياسي، تتابع "ماري برجير" تحولات الصين منذ أربعين سنة مضت مسجلة مسار الإصلاحات التي تشكل وفقاً لها نوع من الاستجابة للتحديات الاقتصادية أساساً، ولذلك سعت الزعامات الصينية منذ بداية الثمانينيات لإيجاد شكل هجين من الرأسمالية المنتجة المتناسبة مع المقاسات والخصوصيات الصينية، التي تقوم أساساً على فكرة الاستفادة القصوى من الموارد لتعظيم ثروة البلاد، ومن ثم تقوية حضورها على المسرح الدولي، وفي الوقت نفسه جعل كل المكاسب الاقتصادية المتحققة تصب في دعم موقف الحزب الشيوعي الحاكم، وتوسيع قاعدة تأييده في الداخل، وقوته على مقاومة الضغوط والتحديات السياسية والإيديولوجية التي يمكن أن تسلط عليه من الخارج. ومع مرور الوقت بدأت فعلاً شرعية الحزب تعيد تأسيس نفسها في صفوف الشرائح الأعرض من سكان البلاد، ليس اعتماداً على المقولات الإيديولوجية، وإنما استناداً إلى معدلات النمو المرتفعة، وبداية الإقلاع التنموي والاقتصادي المتزامن مع ثورة ملموسة في مستويات المعيشة انتشلت عن طريقها الصين، خلال عقدين أو ثلاثة لا أكثر مئات الملايين من الفقراء في المناطق الريفية ومن الفئات محدودة الدخل بصفة عامة، لتوسيع شريحة الطبقة الوسطى، التي هي رهان أية قصة بزوغ اقتصادي، أو صعود دولي، بالنسبة لأية دولة، كالصين تحلم بأن تصبح قوة عظمى على المسرح العالمي.
وإلى جانب الأداء الاقتصادي المشوق، استفاد الحزب الحاكم من تنمية المشاعر القومية الصينية، وجعلها محركاً آخر من محركات قصة الصعود. وقد ساعدت أيضاً على كل ذلك قدرة الاقتصاد الصيني على التحول بسرعة إلى اقتصاد مصدر في المقام الأول، وهذا ما دعم حضور بلاد التنين في مختلف القارات، لأن الشراكات الاقتصادية الناجحة تقطر وراءها العلاقات السياسية، وتعظم أوراق الضغط والتأثير، خارج الحدود.
وفي الأخير تتساءل الكاتبة، عما إذا كانت رأسمالية الدولة الجديدة، على النمط الصيني قابلة للاستدامة، أو للتصدير هي أيضاً إلى الغير كأسلوب تنموي وإنتاجي، وسياسي؟ وتجيب بأن هنالك أكثر من سيناريو يمكن تصوره في هذا المجال، وأقله أن تحافظ الصين على نموها الاقتصادي المرتفع، حتى لو كان تراجع قليلاً خلال السنوات الأخيرة، ووراء نجاحات الاقتصاد يغدو على السياسة أن تواصل هي أيضاً إبداء المرونة والمزيد من القدرة على التكيف مع تحولات المجتمع، وتطلعات الطبقة الوسطى الجديدة.
حسن ولد المختار
الكتاب: الصين، رأسمالية الدولة الجديدة
المؤلف: ماري- كلير برجير
الناشر:فايار
تاريخ النشر: 2013