تعاني كثير من الدول العربية مشكلات الاندماج الوطني، مثل السودان ولبنان والجزائر والعراق. وفي هذا الأخير تتصف التشكيلة الاجتماعية باختلافات عرقية ودينية ومذهبية قلّما وجدت مجتمعة في بلد آخر، وقد فاقمتها الغزوات الاستعمارية التي أسهمت في تعميق خطوط الفصل بين الأقليات والطوائف. والواقع أن استمرار الانقسامات الطائفية أصبح حجر عثرة في طريق الدولة العراقية الحديثة، وهذا ما ترك غصة عند فيصل الأول الذي قال: «أقول وقلبي ملآن أسى إنه في اعتقادي لا يوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خالية من أية فكرة وطنية، متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية، لا تجمع بينهم جامعة. ومن يعلم صعوبة تشكيل وتكوين شعب في مثل هذه الظروف يجب أن يعلم أيضاً عظم الجهود التي يجب صرفها لإتمام هذا التكوين وهذا التشكيل». فماذا تحقق على ذلك الطريق، خلال العهد الملكي أو فيما أعقبه من عهود؟ إنه السؤال المحوري لكتاب «الطائفية السياسية في العراق... العهد الجمهوري (1958- 1991)»، لمؤلفه عبدالخالق ناصر شومان، والذي يناقش فيه جذور المشكلة، منذ الفترة العثمانية، وبعدها العهد الملكي، قبل أن يصل إلى الأوضاع الطائفية في العصر الجمهوري. ويذكر المؤلف أن صعود الخلاف المذهبي إنما بدأ مع ظهور الصفويين في إيران أواخر القرن الخامس عشر الميلادي، والذين فرضوا التشيع في بلادهم لمواجهة الدولة العثمانية السنية، فكان العراق ضحية للنزاع بين الصفويين (جواره الشرقي) والعثمانيين (جواره الشمالي)، حيث سقطت بغداد بشكل دموي على أيدي الصفويين عام 1508، ثم بأيدي العثمانيين عام 1534، قبل أن يستعيدها الصفويون بشكل دموي أيضاً عام 1623، لتعود عام 1638 إلى الأتراك. ووفقاً للكتاب فإن جيوش الفرس والعثمانيين جلبت معها السياسة الطائفية، حيث يقول عن الحكم التركي خاصة: «كان ظلم الدولة العثمانية شاملاً على شعوب الإمبراطورية خاصة العرب، سنة وشيعة، لكن ظلمهم على الشيعة كان مضاعفاً لأسباب سياسية». وحين استولت بريطانيا على العراق عام 1918،كان يتكون من ثلاث ولايات لم تكن يوماً من الأيام موحدة، لكن العراقيين ردوا على الاحتلال بثورة 1920، التي أوجدت شعوراً بوعي وطني، ووحدت السنة والشيعة على نحو مسبوق. وبعد الاتفاق عليه كملك للعراق، عام 1921، حاول فيصل بن الحسين الموازنة بين مكونات الشعب، لكنه عانى بسبب الحكام الجدد الذين كان معظمهم من خريجي المدرسة العثمانية، والذين واصلوا نهج الحكم التركي في العزل الطائفي. لذلك، يقول المؤلف، تواصلت مظاهر التمييز الطائفي خلال الحكم الملكي وحتى قيام ثورة تموز 1958 بقيادة عبدالكريم قاسم. ورغم أن قاسم لم يخرج في تشكيلة أول وزارة جمهورية عما تعارفت عليه الوزارات الملكية السابقة، فإنه لم يلتزم بـ«سياسة العزل المذهبي»، حيث أدرك التركيبة المتعددة للشعب العراقي، وحاول أن يجعل من الإجماع مبدأً رئيسياً لسياسته. لكن إطاحة قاسم في فبراير 1963، أو فترة حكم «البعث» الأولى، كانت بداية لتطور مفزع كشف جميع التناقضات في المجتمع العراقي على طول الحدود العرقية والمذهبية. وفي هذا الخصوص يقول الكاتب إن نصف قادة حزب «البعث» يومئذ كانوا من الشيعة، لكن تشكيلة المجلس الوطني لقيادة الثورة، أظهرت من كان حقاً يسيطر على الحزب، حيث بدأت الخريطة القيادية تتخلخل لمصلحة البعثيين السنة، وفي انحراف تاريخي باتجاه «طائفية واضحة». ورغم انقلاب عبدالسلام عارف على البعثيين في أكتوبر 1963، فإنه لم يحاول تصحيح الإجحاف بحق الشيعة، إذ يقول عنه المؤلف إنه «كان رائد العزل الطائفي والعرقي». ويتابع الكتاب تطورات الواقع السياسي العراقي، وصولاً إلى ثورة تموز 1968 حين تسلم «البعث» السلطة للمرة الثانية، فأدت سياسته إلى خلخلة الوضع الاجتماعي والسياسي، وساعدت على إشعال مزيد من الصراعات. ثم سرعان ما وقع «البعث» وحكومته تحت سيطرة عشائر متحالفة من تكريت. ويعترف المؤلف بوجود جهود كبيرة بذلها «البعث» لتطوير الجنوب، وإن بقصد كسب الشيعة وإدخالهم في صفوفه. كما يعترف بأن «البعث» بحكم أفكاره العلمانية لا يؤمن بالطائفية، ولم تكن سلطته سلطة سنية. بل يذهب أبعد من ذلك فيقول: «وللإنصاف فإن عامة الطائفة السنية ومدنها لم تستفد من النظام». ثم يشرح الموقف قائلا إن علاقة نظام «البعث» بالطوائف كانت تخضع لعلاقته بالنظام الإيراني؛ فكلما اشتد النزاع بين الطرفين زاد ثقل النظام على الطائفة الشيعية، خاصة على أحزابها الإسلامية وعلى العراقيين من أصول إيرانية. محمد ولد المنى -------- الكتاب: الطائفية السياسية في العراق... العهد الجمهوري (1958- 1968) المؤلف: عبد الخالق ناصر شومان الناشر: دار الحكمة تاريخ النشر: 2013