نقص المغذيات الصغرى: قضية صحة عامة
تتلخص الوظيفة الأساسية للغذاء في إمداد الجسم بالمغذيات (Nutrients)، وهي مواد كيميائية يحتاجها الجسم للاستمرار في الحياة، والنمو، أو مواد تستخدم في العمليات الحيوية داخل الكائن الحي، ولابد له أن يحصل عليها من البيئة المحيطة. وتـُوظف هذه المغذيات لبناء وإصلاح الأنسجة، وتنظيم العمليات الأيضية، كما أنها تستخدم كمصدر للطاقة. وتقسم المغذيات إلى قسمين رئيسيين؛ المغذيات العضوية، مثل: الدهون، والكربوهيدرات، والبروتينات، والفيتامينات. والمغذيات غير العضوية، مثل: الماء، والمعادن الغذائية، وحتى الأوكسجين يمكن اعتباره ضمن المغذيات غير العضوية، في ظل كون الجسم يحتاجه للاستمرار في الحياه. ويطلق على أي من المغذيات -سواء كانت عضوية أو غير عضوية- صفة "المغذيات الضرورية"، إذا ما كان من الضروري الحصول عليها من مصادر خارجية، نتيجة عجز الجسم عن تصنيعها داخلياً، أو عدم قدرته على إنتاج كميات كافية منها داخلياً.
كما تصنف المغذيات التي يحتويها الغذاء إلى صنفين، حسب مقدار احتياج الجسم منها، إلى مغذيات كبرى (Macronutrients)، ومغذيات صغرى (Micronutrients). وتشمل المغذيات الكبرى: الدهون، والكربوهيدرات، والبروتينات، وحتى الماء، والأوكسجين، والكربون، والهيدروجين، والنيتروجين، والفسفور، تعتبر ضمن المغذيات الكبرى على أساس أن الجسم يحتاج إلى كميات كبيرة منها، بالإضافة إلى بعض العناصر والمعادن، مثل الكالسيوم، والماغنيسيوم، والبوتاسيوم، وكلوريد الصوديوم (ملح الطعام)، التي تعرف بالمعادن الكبرى. وأما المغذيات الصغرى فقد تكون هي الأخرى مواد عضوية، مثل الفيتامينات، أو غير عضوية مثل اليود، والحديد، والزنك، والكوبالت، والسيلينيوم، والمنجنيز. وبغض النظر عن نوعية أو مصدر المغذيات الصغرى، تشترك جميعها في صفتين؛ احتياج الجسم لمقادير زهيده منها، وتسبب نقصها في تبعات صحية خطيرة، وخصوصاً إذا ما حدث النقص في سنوات الطفولة الأولى.
وهذه الصفة الأخيرة، أو التبعات الصحية الناتجة عن نقص المغذيات الصغرى في سنوات الطفولة، شكلت محوراً رئيسياً، ضمن فعاليات القمة العالمية للأطفال (World Summit for Children)، التي نظمتها الأمم المتحدة في مقرها بمدينة نيويورك عام 1990، وشهدت تعهد أكبر عدد من الملوك والرؤساء ببذل الجهود لتحسين مستويات التعليم والصحة للأطفال، وزيادة رفاهيتهم وسعادتهم حول العالم.
ومن خلال استعراض مدى انتشار وفداحة تأثير نقص بعض المغذيات الصغرى، يمكننا إدراك حجم ووطأة التبعات الصحية الناتجة عن هذا النقص. فعلى سبيل المثال، يعتبر نقص اليود، من أهم الأسباب خلف ضعف وتدهور القدرات العقلية والذهنية لدى الأطفال. وعلى رغم أن عدد الدول التي تعاني هذه المشكلة قد انخفض بمقدار النصف خلال العقد الماضي، إلا أن نقص هذا العنصر المهم لا يزال يعتبر قضية صحة عامة مستمرة في 54 دولة أخرى. ويعتبر نقص اليود -الذي قد يبدأ في الرحم- أكثر أسباب تلف المخ انتشاراً حول العالم، على رغم أن تحقيق الوقاية منه أمر سهل، من خلال تدعيم ملح الطعام باليود. ويوماً بعد يوم، يقترب العالم من التخلص من ظاهرة نقص اليود، وما ينتج عنها من إعاقات عقلية، وهو ما إذا تحقق فسيعتبر إنجازاً صحياً مماثلاً لإنجاز التخلص من فيروس الجدري في منتصف السبعينيات، أو من فيروس شلل الأطفال الذي أصبح قاب قوسين أو أدنى.
والمغذي الآخر الذي يعتبر نقصه من أكثر أنواع نقص المغذيات الصغرى انتشاراً، ومن أكثر أنواع الاضطرابات الغذائية شيوعاً بوجه عام، هو عنصر الحديد، الذي يؤدي لنوع من فقر الدم أو الأنيميا، يعرف بأنيميا نقص الحديد. ويصيب هذه النوع من فقر الدم واحدة من كل امرأتين حامل، ونحو 40 في المئة من الأطفال في سنوات ما قبل الدراسة في الدول الفقيرة والنامية. ولا يقتصر نقص الحديد على أطفال ونساء الدول النامية، بل يمتد أيضاً إلى أطفال ونساء الدول الصناعية والغنية، حيث يعتبر من أهم الاضطرابات الغذائية انتشاراً في تلك الدول. وتتلخص التبعات الصحية لفقر الدم الناتج عن نقص الحديد، في تزايد المضاعفات المصاحبة للحمل، حيث تسهم الأنيميا في 20 في المئة من الوفيات بين الأمهات الحوامل، بالإضافة إلى تدهور النمو الجسدي والقدرات الذهنية لدى الأطفال، وزيادة احتمالات وفاتهم في السنوات الأولى من العمر، وتراجع الإنتاجية والقدرة على العمل بين البالغين.
والمغذي الأخير في هذا العرض السريع والموجز، هو فيتامين (أ)، الذي يعتبر نقصه مشكلة صحة عامة في أكثر من نصف دول العالم، حيث يؤثر بشكل واضح على الأطفال والنساء الحوامل في الدول الفقيرة. وتشير التقديرات إلى إصابة 250 مليون طفل حول العالم، في عمر ما قبل الالتحاق بالمدارس، بنقص فيتامين (أ)، كما أن المناطق التي يعيش فيها هؤلاء الأطفال، تعاني نسبة لا يستهان بها من النساء الحوامل فيها أيضاً نقص هذا الفيتامين. ويعتبر نقص فيتامين (أ) السبب الأول -الممكن تحقيق الوقاية منه- خلف ضعف وفقدان البصر بين الأطفال، حيث يقدر أن من بين الأطفال المصابين بنقص فيتامين (أ)، يفقد ما بين 250 إلى 500 ألف منهم بصرهم سنوياً، ويتوفى نصفهم لاحقاً، في غضون 12 شهراً فقط من فقدانهم بصرهم.