بعد فترة صمت طويل حول حقيقة أمر المواطنين الكنديين الثلاثة الذين كانوا بين الجماعة التي احتلت محطة الغاز الجزائرية الواقعة على أطراف الصحراء، قدّم رئيس وكالة الاستخبارات الكندية تقريراً رسمياً حظي باهتمام الرأي العام. عندما نجحت العملية العسكرية التي قامت بها مجموعة من القوات الخاصة الجزائرية في تحرير الرهائن العاملين في محطة الغاز، أفادت المعلومات الأولية بأنه يوجد بين صفوف جماعة المجاهدين المتطرفة التي احتلت المحطة وأخذت العاملين بها رهائن، أفراد أجانب، وأن من بين ضحايا الغارة الناجحة التي شنتها القوات الخاصة الجزائرية قتلى كنديين. ومن هنا بدأ الاهتمام الرسمي والشعبي الكندي بهذه الحادثة التي وقعت في قرية صغيرة لم يسمع بها من قبل أفراد الخاصة والنخبة، ناهيك عن عامة الناس، لكنها فجرت أسئلة تدور في الرأي العام وأجهزة الإعلام الكندية كلما سربت الأجهزة الأمنية خبراً مقتضباً حول اكتشاف خلية إرهابية واعتقال أفرادها. وكان طبيعياً أن تتصل الحكومة الكندية بنظيرتها الجزائرية وتطلب منها معلومات عن القتيل (أو القتلى) الذي يحمل جواز سفر كندي، وفي الوقت نفسه تحركت الأجهزة الأمنية على مستوى قياداتها وبادرت بالاتصال بنظيرتها الجزائرية. ما حدث بين الحكومتين الكندية والجزائرية دخل في ذمة التاريخ، لكن حسب روايات صحفية متعددة فإن أزمة دبلوماسية صغيرة ألمت بالعلاقات الطيبة بين البلدين، لكن المسؤولين فيهما استطاعوا تجاوز تلك الأزمة، والنتيجة ذلك التقرير الذي أعلنه للبرلمان وللرأي العام المسؤول الأول في وكالة المخابرات الكندية. ويضيق الحيز المتاح هنا عن تفاصيل التقرير حول حادثة احتلال محطة الغاز الجزائرية، ثم الرهائن فيها والقبض على الأحياء من الجهاديين الذين قاموا بالعملية... لكن مما جاء في التقرير أن عدد الكنديين المشاركين في العملية الإرهابية هم ثلاثة شبان، وأن الأجهزة الأمنية توصلت إلى أسرهم في مدينة لندن الكندية، وأن أولئك الشبان وغيرهم كانوا قد تخلوا عن ديانتهم المسيحية وأسلموا على يد أحد المشايخ المسؤولين عن مركز إسلامي معترف به ومعروف لأجهزة الأمن، حيث يقوم المسؤولون عنه بنشر الإسلام وبحث الشباب الذين يحضرون دروسهم الدينية على «الجهاد» و«محاربة الكفار». وجاء في التقرير أن ذلك المركز ومسؤوليه تحت الرقابة الأمنية الصارمة، والتي تسجل أشرطة بالصوت والصورة لنماذج من دروسهم الدينية التي تقع تحت طائلة القانون. وقد قامت الشرطة في الأيام الأخيرة الماضية باستدعاء بعض المسؤولين عن المركز. والجديد في الأمر أن أحد الشبان الثلاثة هو كندي بالميلاد وأصله من أسرة كورية، وبسؤال أسرته قالت إن كل ما تعرفه أنه أخطرهم يوماً بأنه سيسافر إلى موريتانيا ليتعلم اللغة العربية ويحفظ القرآن الكريم، ثم انقطعت أخباره واتصالاته المكوكية، وأن رفاقه الذين انطلقوا معه هم كنديون بالميلاد ومن أصول أوروبية. لكن سؤالا مهماً ورد على لسان رئيس المخابرات، إذ قال إنه يقلقه جداً أن يقوم شباب في بداية أعمارهم ولدوا وتربوا في وطن يتميز باعترافه بحرية الدين ويقوم على التعدد في كل شيء ولا يميز بين المسيحي واليهودي والمسلم والملحد، بل يوفر لهم حماية القانون، لكنهم مع ذلك ينخرطون في جماعات إرهابية يائسة وخطرة ومرفوضة من أغلبية المسلمين المسالمين... فهل فشلت ثقافتنا وسياستنا في دمج كل المواطنين في بوتقة الأمة الكندية؟