أخذت تقنية الانصهار تكتسب المزيد من الاهتمام في أوساط العلماء. ففي ظل التحديات التي أصبحت تواجه المفاعلات النووية في عالم اليوم، فقد ظل يراود العلماء حلم منذ وقت طويل في اكتشاف نفس مصدر الطاقة الذي يغذي الشمس. ومن الناحية النظرية فقد أصبح بإمكانهم استحداث الطاقة بفعالية وأمان أكثر وبأقل حجم من النفايات النووية مما تنتجه المفاعلات الحالية بالإضافة إلى استخدام مصدر لا حدود له من الوقود ألا وهو الهيدروجين. لذا فإن المفاعلات الهيدروجينية أو الانصهارية أصبحت تمثل نوعاً من الوعاء المقدس الذي سيعتمد عليه العالم في الطاقة.
والآن فقد بات الباحثون يتطلعون إلى اتخاذ الخطوة التالية في تقييم الإمكانيات التجارية لهذه التكنولوجيا. ويشير العلماء إلى أنهم أصبحوا أكثر ثقة من أي وقت مضى في تمكنهم بنجاح من بناء وتشغيل مفاعل هيدروجيني تجريبي. ولكن العائق الأكبر الذي يواجههم الآن قد تمثل في الجانب السياسي حيث إن الدول الست التي ترعى المشروع الذي أطلق عليه اسم "المفاعل الدولي الحراري النووي التجريبي" ITER قد وقعت فيما يبدو في شراك النزاع السياسي الخاص بهوية المكان الذي سوف يتخذ منه هذا المفاعل، الذي تبلغ قيمته 5 مليارات دولار مقراً له، حيث تطالب كل من اليابان وفرنسا بهذا الشرف. ويقول الدكتور روبرت جولوستون مدير مختبر بلازما الفيزياء في برينستون "لقد حدث تقدم كبير في مفهومنا العلمي" خلال العشر سنوات الماضية ويتلخص بشكل أساسي في أن "النار" المخطط لها في هذا النوع من المفاعل الدولي الحراري النووي التجريبي ليست كافية للانصهار كما كان يعتقد الكثيرون في الماضي. وقد أثبتت التجارب الأولية أن إشعال وإدامة عمليات الانصهار في المفاعلات الهيدروجينية أمر قد تكتنفه الكثير من الصعوبات. ولكن وكما تقول آني ديفز مديرة مكتب علوم الطاقة الهيدروجينية في وزارة الطاقة الأميركية "لقد حققنا خطوات هائلة إلى الأمام". وكانت إحدى الوكالات الدولية للطاقة الذرية قد اجتمعت في الشهر الماضي في البرتغال وخرجت بنتائج مهمة حيث أثبتت التجارب التي أجريت على المفاعلات الاختبارية في جميع أنحاء العالم أن المفاعل الدولي الحراري النووي التجريبي ITER سوف يعمل بنجاح تماماً كما استهدف تصميمه.
إن الفكرة التي تقف خلف الانصهار تمتاز بالمباشرة والوضوح. فالمفاعلات النووية الحالية تستمد طاقتها من انقسام الذرات في عملية يطلق عليها "الانشطار". أما عملية الانصهار فتعمل على دمج هذه الذرات حيث إن النواة تشكل نوعين من الهيدروجين يعرف أحدهما باسم الديوتيريوم والآخر باسم التريتيوم. على أن انصهار النواة يحتاج إلى طاقة أكثر من تلك التي تعمل على تقسيمها ولكن المردود سيصبح أكثر حجماً حيث إن المفاعل الانصهاري يعطي طاقة تبلغ ثلاثة أو أربعة أمثال ما يعطيه المفاعل الانشطاري. ويكمن التحدي في أن حدوث الانصهار والاندماج يتطلب أن تكون الأجواء المحيطة شديدة الحرارة. ويتوقع الباحثون أن مفاعلهم التجريبي سيعمل بدرجة حرارة تصل إلى 100 مليون درجة مئوية، أي تقريباً 6 أمثال درجة حرارة الشمس. وفي هذه الدرجة العالية من الحرارة تندمج الذرات مع الأليكترونات لتشكل مزيجاً يدعى البلازما. ومثل هذه الدرجات العالية من الحرارة تمنح أيضاً نواة الذرات السرعة الكافية للتوحد مع نواة أخرى عندما تصطدم بها. ولكن وبسبب أن البلازما مليئة بمواد مشحونة كهربائياً فإن العديد من العلماء بات يعتقد بأن الطريقة الوحيدة للاحتفاظ بالبلازما معبأة في حاويات يجب أن تتم عبر استحداث مجالات مغناطيسية.
إن المفاعل الدولي الحراري النووي التجريبي ITER يمثل خطوة جبارة باتجاه استحداث مفاعل نووي تجاري انصهاري. وقد قام الباحثون بتصميمه من أجل توليد على الأقل خمسة أضعاف كمية الطاقة التي يتم استهلاكها في إدامة المفاعلات الانصهارية. ويتم ذلك عبر مفاعل يجري تصميمه في شكل كعكة فارغة يحيط بها المجال المغناطيسي، بينما تتشكل البلازما وتستمر عمليات التفاعل داخل هذه الكعكة. وقد تم تصميم المجال المغناطيسي بحيث يحافظ على البلازما بعيدة عن الاصطدام بجدران المفاعل، لأنه في حال حدوث ذلك فإنها سوف تبرد إلى درجة تفشل فيها في الاستمرار في التفاعل. حيث يعلق جولدستون مازحاً: لن تلحق الضرر بأحد، ولكنك لن تكون سعيداً إذا حاولت أن تبيع الكهرباء.
ولسنوات طويلة ظلت المخاوف تساور الباحثين من أن مستويات الطاقة في المفاعل الدولي الحراري النووي التجريبي تستهدف بقاء البلازما في حالة مستقرة أو أن يفشل المجال المغناطيسي في الاحتفاظ بالبلازما المعبأة. ولكن منذ منتصف حقبة التسعينيات أدى التقدم التكنولوجي إلى تقديم أفكار جديدة عن الطريقة التي يمكن أن تعمل بها مثل هذه المفاعلات. فقد ضمت هذه التكنولوجيا التحسن الكبير في معدات وأجهزة الاختبار واستحداث طرق جديدة في مراقبة التفاعلات من خارج سفينة المفاعل، بالإضافة إلى أجهزة الكمبيوتر الأكثر فعالية التي تعمل على نمذجة الظروف التي تجري في داخل ا


