«سوريا من مطالب الإصلاح إلى مخاطر تفكيك الكيان»، عنوان بحث عماد فوزي شعيبي، أستاذ «الابستيمولوجيا» في جامعة دمشق. قدّم البحث «قراءة غير نمطية باستخدام منهج مبتكر في ضوء العماة والكوانتية السياسية»، أنكرها معظم المشاركين في ندوة «مستقبل التغيير في الوطن العربي» التي عُقدت ببيروت. وحسن حظ الأكاديمي السوري سوءُ حظه. فسوريا كما تهواها، جبهة الصمود والممانعة، أو دولة القمع والمجازر، وكلا عاشقي سوريا المتخاصمين في «ندوة بيروت» أجمعا على رفض الأطروحة التي تتعامل مع سوريا المتشظية كحالة مختبرية لعمل قوانين فيزياء الفوضى أو «العماة»، وهو المصطلح الذي تبنّاه الباحث، بدلاً من مصطلح «الفوضى» شائع الاستخدام في ترجمة المصطلح الإنجليزي Chaos، وتختلف تسمياته في الفيزياء اختلاف ترجماتها العربية، «الشواش»، و«الأنظمة المعقدة» و«غير المتوقعة» و«العشوائية». وكان النظام السياسي يرى مآل الصراع وفق ثنائية «بينه والقاعدة». وفي كمين الفوضى العمياء أصبح الصراع بين شظايا لا متناهية من الثوار وشذاذ الآفاق ومجموعات ما قبل الدولة «العشائر والقبائل وقادة الحارات، ومجموعات إسلامية تمولها وتدير أغلبها قوى إقليمية ودولية، أخطرها (داعش)»، وهي حسب الباحث، «ظاهرة الطفرات المتنحية غير المحسوبة بالقياس التقليدي». ويحلل منهج الباحث «الكوانتومي» الوقائع السائلة و«العماهية»، ويتوقع مسارها الذي يتغير في لحظات أحياناً، كدخول روسيا العسكري إلى سوريا، والذي أنتج وقائع جديدة تجعل القواعد الناظمة لأي بحث مائعة ولا معنى للاستناد إليها. فالرؤية «الماكروية»، أي الكبيرة التي ورثها النظام السوري كباقي الأنظمة، ترى أن ما يحسم هو صراع ميزان القوى الإقليمية والدولية. «يعني هذا أن الوقائع تسير في اتجاه وبحثها يسير في اتجاه لا يطابقه». وتصبح قراءة النظام «الماكروية» مطباً يُدخله في دوامة «ميكروية» صغرى، كما في عالم داخل الذرة «العَماهي»، واستعان الباحث بالقانون الثاني للديناميكا الحرارية، حيث يصحب أيُّ تغير يحدث تلقائياً في نظام فيزيائي، ازدياداً في مقدار «إنتروبيته» التي تعني تحولاً عميقاً على غير هدى. وتتأرجح موازين القوى الإقليمية والدولية، والقوى المتشظية الداخلية وامتدادتها الخارجية، ودوافعها الميكروية، كالحقد، والانتقام، والدافعية الاستشهادية، واللاوعي الجمعي العريق لدى فئات ترى الخلافة خلاصاً يستدعي القتال حتى الموت. والأكاديمي السوري سيئ الحظ مرتين، أولاً لأن سوريا المروعة أضحت موضوعاً للندب وتبادل الاتهامات والتخوين، وكل تفسير لأحداثها خارج نظريات المؤامرة، مشكوك فيه، بل مشكوك بقائله. وثانياً لأن «ندوة بيروت» التي حققت السبق بإدخال فيزياء «الكوانتوم» في السياسة، لم تعثر على معقب علمي بمستوى المعقبين على أبحاثها حول «ما بعد المرحلة الانتقالية» في مصر، وتونس، و«مشروع التفكيك ومساراته» في السودان، وليبيا، واليمن، والعراق، و«مستقبل الإصلاح» في الدول الخليجية، وموريتانيا، والأردن، ولبنان، والجزائر، والمغرب، وحتى الكلمة الختامية «نحو خطة طريق للخروج من المأزق العربي الحالي»، التي قدمها خير الدين حسيب، رئيس ومؤسس «مركز دراسات الوحدة العربية» الذي نظم الندوة، وعُرف بتاريخه في تنظيم ندوات دولية حول «إستراتيجية العلوم التكنولوجية العربية»، و«هجرة العقول العربية»، وإصدار سلاسل كتب علمية، بينها «موسوعة تاريخ العلوم والتكنولوجيا العربية». وفاتت على الندوة لحظة «الكوانتوم» الكامنة في أبحاث الندوة، وفاتت على الباحثين معرفة دور علوم الفيزياء في تفسير الأحداث السياسية، والتطورات الجيوسياسية. فعلوم الفيزياء أغنت بشكل مباشر علوم السياسة والاجتماع، وحققت فتوحات خارقة في فهم أسس كل شيء في الكون، مِن ميلاد النجوم والمجرات إلى نشوء الكون، وامتلكت القدرة التنبؤية لفيزياء «الكوانتوم»، التي شرعت في اكتشاف أكوان جديدة، وغزو ميادين تُعتبر داخل نطاق علوم اللاهوت والفلسفة.