ما العمل مع الإرهابي والمخرب «التائب»، الذي يأتي إلى السلطات نادماً، أو يعلن توبته بعد اعتقاله وفي أثناء محاكمته، أو يعترف بجهله وجهالته، وانخداعه بشعارات السلفية الجهادية و«داعش» و«القاعدة» وغيرها؟ عدد غير قليل من هؤلاء يعودون إلى الإرهاب للأسف، حتى بعد مرورهم بدورة «المناصحة» وإعلان التوبة! وفي الكويت مثلاً، غادر البلاد قبل فترة أحد هؤلاء من طلقاء «سجن غوانتنامو» إلى العراق، ليلقى حتفه في عملية إرهابية بعد ذلك بقليل، بعد أن قتل المزيد من الأبرياء، واعتبرته جماعته المتشددة شهيداً. الندم والأسف والتحسر محتمل مع بعض هؤلاء الإرهابيين، فالكثير من المشاركين في هذه الجماعات الدموية من صغار السن المنخدعين ممن يلعب بعقولهم وعواطفهم بعض شيوخ ودعاة الإرهاب. وبعض من اشتهر من الإرهابيين كان من الذين يحاولون التخلص من الإدمان أو نسيان ماض شعروا أنه غارق في المعاصي والموبقات، البعض الغالب كذلك ممن يعتقدون بكفر وضلال الآخرين وضرورة تصفيتهم بأبشع وأسرع الطرق، حتى لو ضحى بحياته لنسف حفلاتهم أو تجمعاتهم أو مجالس الفرح والعزاء، فيقتلون الناس بلا رحمة، ويدمرون الأسواق والمحلات والمساجد، وينتقمون حتى من القبور والأضرحة بلا شفقة، ويتلفون المواقع والمباني التاريخية بالفؤوس والمتفجرات، مهما كانت مكانتها الأثرية، ومهما كان التقدير الدولي والإنساني للحضارة التي أنتجتها. إحدى حالات الندم هذه شهدتها مؤخراً قاعة المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، عندما اعترف أحمد الفقي المهدي، المتشدد من جمهورية مالي، أمامها بأنه «أمر وشارك في تدمير أضرحة مدرجة على لائحة التراث العالمي للإنسانية في مدينة «تمبكتو» في جمهورية مالي الأفريقية». (الشرق الأوسط: 23 - 08 - 2016). وقال «الفقي» بعد تلاوة محضر الاتهام: «يؤسفني القول إن كل ما سمعته حتى الآن صحيح ويعكس الأحداث.. أقرُّ بأنني مذنب». وطلب المتشدد من الشعب المالي الصفح، وأن يعتبروه «ابناً ضل طريقه.. أمثل أمامكم كي أعتذر عن الأضرار التي سببتها لأحبائي، ولإخوتي ولأمي جمهورية مالي والإنسانية جمعاء». وكانت مدينة «تمبكتو» التي أسستها في القرن الخامس قبائل من الطوارق، قد ازدهرت بفضل قوافل التجارة، وأصبحت مركزاً ثقافياً كبيراً للإسلام بلغ ذروته في القرن الخامس عشر. وكان أحمد الفقي عضواً في جماعة «أنصار الدين» المؤلفة من الطوارق التي سيطرت في 2012 على شمال مالي، وضمنه «تمبكتو»، مع تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي»، لنحو عشرة أشهر، قبل حدوث تدخل دولي بدأ في يناير 2013. وكان أحمد الفقي قد تقرب من السادة الجدد في تمبكتو، وأصبح مُنظِّرهم وربما مفتيهم و«رئيس الحسبة». وتقول الجريدة إن مدينة تمبكتو الأفريقية الإسلامية تسمى «مدينة الـ333 ولياً» من شيوخ المتصوفة وغيرهم، بوحي من أضرحة الأولياء الذين يتبرك بهم سكان المدينة في حياتهم، من الزواج إلى صلوات الاستسقاء في أوقات الجفاف. وكان الفقي، بصفته رئيس الحسبة، قد أمر بشن هجمات شارك فيها، على هذه الأضرحة، وقام بتدميرها بالمعاول وأدوات الهدم الأخرى. وقال الفقي إنه كان حينذاك: «تحت سطوة عصابة من قادة القاعدة وأنصار الدين وخضع لضغوطهم». وأضاف: «بقي أن أوجه رسالة إلى كل مسلمي العالم: لا تقوموا بهذا النوع من الأعمال.. أملي أن تسمح السنوات التي سأقضيها في السجن بتطهير نفسي من الأرواح الشريرة التي سيطرت عليّ». ولا نعرف بالطبع طبيعة هذه «الأرواح الشريرة» ومدى عمق ندم الرجل، ولكن ماذا عن شيوخ التيار السلفي وكتبهم وأشرطتهم التي لا تزال قيد التداول في كل الدول العربية عموماً والخليجية على وجه الخصوص؟ لقد طالب أتباع هذا التيار على مدى عقود وسنين في مقالاتهم وخطبهم ومنشوراتهم وكتبهم ولا يزالون، بالتصدي للمتصوفة، وطالبوا علناً بإزالة وهدم الأضرحة والمزارات، ومحاربة من أسموهم بالقبوريين وأرباب المظاهر الشركية! فمثل هذه الدعوات والمنشورات، أنجبت جيلاً عريضاً من «الجهاديين السلفيين» المعادين بعنف ودون فهم وتفهم، لكل ما اعتبروه «مظاهر شركية»، بل سرعان ما ضموا إلى قائمة مواقع التفجير قبور ومساجد أي جماعة يعتبرونها خارج الملة أو من المبتدعة من السنة والشيعة كما رأينا في العراق وباكستان وغيرها! بالمناسبة، قرأنا الكثير عن ندم المتشددين و«الجهاديين»، ومراجعات الجماعة الإسلامية في مصر، ونشر بعض من ترك هذه الجماعات مذكراته وانتقاداته.. فماذا عن جماعات التشدد الخليجية؟ متى ينشرون مذكراتهم ومراجعاتهم؟! *كاتب ومفكر- الكويت