تشير تجارب التاريخ السياسي والعسكري إلى أن الهدن في النزاعات الكبرى لا تبرم بوصفها نهاية للصراع، بل كمرحلة انتقالية لإعادة التموضع وصياغة شروط التسوية. هذا النمط يتكرر اليوم في التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، خصوصاً في محيط مضيق هرمز، الذي يمثل أحد أخطر نقاط الاختناق في الاقتصاد العالمي.
في هذا السياق، فإن أي تحرك عسكري ودبلوماسي لا يمكن فصله عن منطق إدارة التوازن وليس فرض السيطرة. وقد صرح الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين في وزارة الحرب الأميركية مراراً بأن تأمين الممرات البحرية الحيوية في الخليج أولوية استراتيجية لا تقبل المساومة، وهو موقف يتكرر في تقارير حلف شمال الأطلسي حول أمن الطاقة العالمي.
في المقابل، تنظر إيران إلى مضيق هرمز كأداة سيادية للردع. وقد أعلن قادة في الحرس الثوري الإيراني في أكثر من مناسبة أن إغلاق المضيق سيظل خياراً مطروحاً على الدوام إذا تم تهديد المصالح الإيرانية. هذه المعادلة تخلق توازن ردع حساساً، حيث لا يستطيع أي طرف فرض سيطرة مطلقة دون المخاطرة بحرب واسعة النطاق أو عقوبات اقتصادية واسعة وحصار بحري تكون تداعياته أضعاف ما قد يتسبب به النزاع المسلح.
الهدنة الحالية، رغم هشاشتها، تخدم هذا التوازن، فهي تمنح الأطراف فرصة لإعادة ترتيب أوراقها دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة، إلا أن فترات التهدئة غالباً ما تُستخدم لزيادة الجاهزية لا لتقليلها، حيث ترتفع خلالها وتيرة التنسيق الاستخباري، وتُعاد صياغة سيناريوهات الردع.
أما على المستوى السياسي، فقد عكست الاستراتيجية الأمنية الأميركية الأخيرة تحولاً واضحاً نحو الدفاع الجيوسياسي الانتقائي، وقد تضمنت أكثر من رسالة مبطنة لما هو قادم وما سوف تواجهه المنطقة. وثيقة البيت الأبيض للأمن القومي شددت على أن الحلفاء يجب أن يتحملوا دوراً أكبر في حماية أمنهم الإقليمي، في ظل تركيز واشنطن على التنافس مع القوى الكبرى، وبأن كل حراك في المنطقة سيكون لخدمة ذلك الغرض فقط، وتعظيم المخزونات الاستراتيجية الأميركية للاستمرار في سباق الهيمنة العالمية.
هذا التحول يقوم على ثلاثة محاور رئيسية، وهي: إعادة توزيع الموارد العسكرية، وتحويل الحلفاء إلى مشغلين أمنيين مع تحميلهم مسؤولية المواجهة، والنقطة الثالثة هي إدارة الصراع عن بُعد، والاعتماد على الردع غير المباشر، والعقوبات، والحروب بالوكالة، والتدخل العسكري الجراحي المباشر لفرض التفاوض تحت السلاح، لا لحسم أي معركة. كما أن ما يبدو ظاهرياً تخلياً عن الحلفاء، هو في الواقع جزء من تكتيك استراتيجي أوسع: اختبار القدرات الذاتية لدول المنطقة: هل يمكنها إدارة أمنها دون تدخل مباشر؟ واستنزاف إيران ضمن بيئة إقليمية معادية، حيث تواجه عدة أطراف بدلاً من مواجهة الولايات المتحدة مباشرة، وإعادة هندسة التحالفات: دفع دول المنطقة للتقارب فيما بينها (أمنياً واقتصادياً) لتشكيل توازن قوى جديد. وبعبارة أخرى، الولايات المتحدة لا تنسحب، بل تعيد التموضع، تاركة مساحة صراع مضبوطة تُدار فيها المواجهة دون انفجار شامل.
أما عن استهداف البنية التحتية في دول المنطقة، والخسائر التي قُدرت بمليارات الدولارات، فهي ليست أحداثاً معزولة، بل تدخل ضمن كُلفة إعادة التوازن. وفي هذا النوع من الصراعات تستخدم الضربات الاقتصادية لإعادة تشكيل الأولويات، وتختبر مرونة الدول وقدرتها على التعافي، ويعاد تقييم سلاسل الإمداد والطاقة والأمن السيبراني، وهنا يظهر مفهوم جديد: «الجاهزية كقوة سيادية»، وعليه فإن إعادة هيكلة مؤسسات الدول والفكر المتبع والقيادات المستقبلية التي تفهم الأمن الاستراتيجي بقدر فهمها للتخصّص الذي تعمل به هو ما يتطلب أكثر من الحصول على شهادة تعليمية، حيث إن الاستثمار في إدارة العقول والمواهب الأمنية الاستراتيجية لا يقل أهمية عن إدارة ثورة الذكاء الاصطناعي.
من جانب آخر، يرى المحللون أن إسرائيل تلعب دوراً معقداً في هذا المشهد، حيث تسعى إلى منع أي تسوية قد تعزّز النفوذ الإيراني إقليمياً قبل أن تحقق جميع أهدافها، وخاصة أن الانتخابات الإسرائيلية على الأبواب. ولا يعنيها أن تقديرات البنك الدولي تشير إلى أن إغلاقاً مؤقتاً للمضيق حتى لأسابيع قد يكلّف الاقتصاد العالمي مئات المليارات من الدولارات ويعجل في وتيرة حدوث أزمة مالية كبرى، وخاصة أن الأمور كانت تسير نحو ذلك قبل الأزمة السياسية الحالية في المنطقة.
في ضوء هذه المعطيات، يصبح من الواضح أن ما يجري ليس صراعاً تقليدياً، بل عملية إعادة هندسة للتوازنات الإقليمية والدولية. والخلاصة أن الهدنة الحالية ليست سوى مرحلة ضمن مسار أطول، وأن مضيق هرمز سيظل محوراً للصراع والتفاوض في آن واحد. وبين الردع والتصعيد، تتشكل ملامح تسوية كبرى قد لا تُعلن رسمياً، لكنها ستنعكس في إعادة توزيع النفوذ وتحديد قواعد اللعبة الجديدة في الشرق الأوسط لعقود مقبلة.
*كاتب وباحث إماراتي في شؤون التعايش السلمي وحوار الثقافات.