من الكتب المهمة التي صدرت عن هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام تزامنا مع فعاليات مهرجان الفجيرة الدولي الرابع للمونودراما، كتاب بعنوان “عشر مسرحيات مونودراما”، وقد اختارت مسرحيات الكتاب لجنة تقييم وتحكيم النصوص المكونة من كل من: أسعد فضة (سوريا)، حاتم السيد (الأردن)، يسري الجندي (مصر) عبد العزيز السريع (الكويت) والمهندس محمد سيف الأفخم أمين عام الجائزة والفنان المسرحي عبد الله راشد مقرر اللجنة.
هذه النصوص العشرة التي بين أيدينا، والثلاثة الأولى منها: ذاكرة الوجع والمسرّة، جلجامش بحذاء رياضي، جوف الحوت، حازت على جوائز المهرجان (المراكز الثلاثة الأولى) ، في إطار المسابقة الدولية لنصوص المونودراما – هي ثمرة جهود حثيثة لعدة جهات ذات صلة بفن الإبداع المسرحي، وهي المنتدى الدولي لكتاب المسرح، ورابطة الممثل الواحد الدولي، والهيئة الدولية للمسرح، والمركز الإقليمي للهيئة الدولية للمسرح التي تتخذ من إمارة الفجيرة مقرا دائما، بإشراف هيئة الفجيرة للثقافة والإعلام، التي أصبحت من أهم المنصات للتأسيس لهذا اللون من فنون المسرح، وبناء قاعدة من الكتاب الجدد، وتحفيزهم وتشجيعهم على مواصلة الكتابة وتقديم نصوص المونودراما كفن مركب، يتمتع بخطاب سردي مسرحي له خصوصيته وجمالياته، خطاب مختلف في شكله ولونه وإيقاعه من سرد وقص ومونولوجات متعددة المستويات، والطرافة، والقدرة على توظيف عنصر المفارقة الدرامية في نص الممثل الواحد، بين مستويات اللغة من جانب، والإشارة إلى الواقع الحسّي من جانب آخر، وهي في الحقيقة منبع الدراما الأصيل واختبار قدرات الممثل وتخيلاته ومخيلته وطريقة تعامله مع المتخيل والملفوظ معا على خشبة المسرح. وقبل أن نبدأ مع مسرحيات الكتاب، نقتطف من كلمة لجنة تقييم وتحكيم النصوص: “إذا كانت الكتابة للمسرح أصعب أنواع الكتابة، فإن الأصعب فيها هو فن كتابة المونودراما التي تتطلب مهارة فائقة وحرفية عالية وموهبة خاصة .
حيث يطلب من الكاتب هنا أن يكون قاصّا ومسرحيا وخطيبا ومطربا ، هامسا وصارخا ، لديه خيال واسع ومقدرة على البوح وحس مرهف يسمح بالتداعي المريح الذي يأخذ بألباب المشاهدين ويأسرهم لينسوا أنهم أمام ممثل واحد، بل يتصورون أنهم أمام أحداث وأحوال وحالات.
لقد نجحت المسابقة، وفتحت آفاقا جديدة لمحبي هذا الفن الراقي المركب، إنه مسعى جميل ينبغي أن يستمر ويتواصل لخدمة ثقافة المسرح والجمهور”.
الوجع والمسرّة
أول مونودرامات الكتاب، مسرحية بعنوان ذاكرة الوجع والمسرّة (المركز الأول)، نص وإخراج العراقي فيصل فيصل جواد، وأعدها لخشبة المسرح حيدر أبو العباس، وجسدها تمثيلا الفنان محمود ابو العباس، وكانت هذه المسرحية قد قدّمت ضمن منافسات الدورة الأولى لأيام المسرح المونودرامي الجامعي بسلطنة عمان، من تمثيل محمد الصالحي، وإخراج طاهر الحراصي.
أما هذا النّص المميز فهو في الأساس جملة مشتعلة من المشاعر والتعابير عن عمق الوجع العراقي من خلال رجل اختار بيت المنفى بعدما هدد بالقتل أو الرحيل، وهذه حالة مألوفة بالنسبة للعراقيين.
فقراته صاغتها يد كاتب محترف على مدى سنوات الوجع من المشهد العراقي المرير، ولهذا يتماثل النص ويتماهى مع الصراع القـائم في الشارع العـراقي، من تهديد وقتل وتفجيرات ومآس إنسانية يجسدها بطل العرض “محمود”، بلغة وصفية محكمة: “أدركتها شظية مفخخة أفزع دويّ إنفجارها كل طيور السماء، طار بها نجم إبن الخياطة إلى المستشفى الحـكومي، وهي هناك منذ الصباح.
أخشى أن تكون صرخة أم رعد إيذانا بفجيعتها.. قنابل محشوة بالرصاص، فيها القليل من المسرّة المتمثل في صباحها النّدي المعطّر بصوت فيروز ثم ذاكرة حاضرة معمّرة بالوجع والألم”. ربما يكون أهم ما في محتوى النص، هو مهارة كاتبه في الخروج من أطر وإيقاعات الانهزامية والاستسلام للحالة إلى دعوة للوقوف بقوة أمـــام الواقع، فترك لبطل النص مساحة واسعة من الحركة والحكي عن شخصيته وعائلته وظروفه وأحلامه في إطار تفاصيل حيّة تدفع باتجاه تعدد الأصوات المسرحية على الخشبة.
جلجامش بحذاء رياضي
النّص الثاني في الكتاب بعنوان جلجامش بحذاء رياضي ( المركز الثاني )، للكاتب والشاعر السوري خلف علي الخلف، مواليد عام 1969، صاحب دواوين : الرعاة 2004، التنزيل 2007 ، كحل الرغبة 2007، وسلسلة حوارات بعنوان أصوات الأبيض والأسود 2011، ومن أهم كتاباته للمسرحية مونودراما بعنوان “حقيقتان وممثلة واحدة” وعرضت بتمثيل لويز عبدالكريم، سينوغرافيا وإخراج أحمد صالح، وتتناالسورية على مستويات اللغة والتجسيد والإسقاط السياسي على الواقع السوري والعربي، من خلال مونولوج نفسي طويل يخاطب به جلجامش صديقه أنكيدو، جاثيا فوق قبره: “جلجامش: تخيل يا أنكيدو لو إنضممت لهم كم عملية سأنفذ؟ أنا هازم الموت وحاسده، تخيل لو تحولت إلى جالب للموت للآخرين: لأصبح اسمي في سجل الـ ... لا لا لا كل ما أريده هو إنهاء حياتي، إنها حياتي أنا ولا أريد أن أنهي حياة شخص آخر، يكفي ما قتلت، يكفي ما رأيت من الدماء والجثث ، يكفي ما عاصرت من الحروب، فحياة الناس أقصر من أن ننهيها لهم فجأة دون أن يكملوا أحلامهم .. من المحزن أن لا يكملوا بعض الأعمال التي خططوا لها، حياتهم قصيرة، لا تحتمل إنهائها بتفجيرهم، لا أحد يحلم في هذا العصر بالخلود بالطبع “.
جوف الحوت
النص الثالث بعنوان ( جوف الحوت ) للكاتب العراقي ناهض الرمضاني، ونال عنه الجائزة الثالثة في المسابقة مناصفة مع مونودراما (الدكتورة أوراق شخصية ) للكاتب المصري محمد الشربيني، وقدّمها المسرح العراقي بتمثيل الدكتور محمد إسماعيل الطائي، بتوقيع المخرج عبّاس عبد الغني، أما نص المونودراما فتقوم أحداثه حول مثقف يعاني من الاغتراب، لذا تجده يسعى جاهدا للعزلة والابتعاد عن فوضى العالم، محاولا أيضا أن يصوّر عملية خلق بيئة تشكل صورة معرفية تعكس وجوده كمثقف في عمقه الاجتماعي، فهو يلجأ طوال أحداث المسرحية إلى بث تصوراته للعالم من خلال أداء يسعى إلى خالق عالم غير متجانس كان يحاوره في ذاكرة جسده ، ويحاول أن يبحث في واقع ( الاغتراب) عن هوية تساعده على مواجهة العالم اللامسمى. تتحقق في المسرحية كعرض بنية بصرية تتمتع بأنظمة لسانية تعمل بتوازن مع النظام الحركي في الأداء على خشبة المسرح، أما مستويات التعبير فهي متعددة من خلال مونولوج مكتوب بعناية من حيث قوة اللغة والمفردات والأجواء المسرحية المفعمة بالتساؤل والأغراض الاستفزازية للمتلقي، ولا يقتصر الجو المسرحي على توظيف العلامات الجسدية فحسب بل يحاول أن يتاخم العلامة الحركية بالعلامة اللفظية والصورة الوصفية: “أنا في جوف الحوت، والحوت في جوف البحر، ظلمات فوقها ظلمات رغم هذا كله لا أستطيع أن أبقى لوحدي، أيها الحوت .. ما الذي يحويه جوفك أيضا .. أيتها الجمجمة يا شريكتي في هذه الرحلة التي لا أعرف كيف ستنتهي .. أيتها الجمجمة أهذا مآلنا جميعا؟ ما قيمة حياتنا إذن؟ وهل يدفعنا مصيرنا المحتوم إلى استعجاله؟”.
وفي حوار مؤثر عبر المونولوج النفسي نقرأ : “أصبحت أدرك تماما بأنني لن أتمكن من إصلاح العالم ، لكنني سأحاول ولن أكف عن المحاولة ما حييت، أما أنت يا مدينتي .. فلا تصدقي هذياني .. لا تصدقي لا لا .. يا نينوى .. والله إنك أحب بلاد الله إلى قلبي .. والله لو أنهم أخرجوني منك ما خرجت ووالله لو أن الظلم أخرجني منك ما خرجت .. وها أنا ذا الآن عائد .. عائد .. عائد” .
كمان
أما مسرحيات الكتاب الأخرى فهي على التوالي: الدكتورة أوراق شخصية (محمد الشربيني)، صراع اللوحة المهزومة (إسماعيل خلف خلف)، توأم (سعيد الناجي) البرواز (أحمد قرني شحاتة)، القرار (أحمد سليمان خنسة) الميزان (محمد سالم سليمة) وأخيرا مونودراما كمان (غنام غنام) كاتب وممثل ومخرج مسرحي من الأردن، وفي مسيرته العديد من المسرحيات كاتبا وممثلا ومخرجا منها: تغريبة ظريف الطول، وجه بملايين العيون، خريفة شعبية ، شمشون ودليلة، الجاروشة ، خمسة دمى وممثل، ومن الحب ما قتل، يا مسافر وحدك، صباح ومسا، مونودراما عائد إلى حيفا، وحائز على جائزة الدولة التشجيعية لأفضل عرض مسرحي متكامل بعنوان (الزير سالم) ومونو دراما أنا لحبيبي. أما مسرحيته (كمان) فقد صاغها وفق بناء السوناتا كما في النوتة الموسيقية، فتجد مثلا عنوان رئيس: سوناتا الوحشة، مكونا من عدة حركات مسرحية ، تتطور إلى حالات مسرحية، وهكذا ثمة عناوين لافتة مثل: سوناتا المطر، سوناتا الياسمين، سوناتا البلاد، الرصاص، الروح ، وآخرها سوناتا كمان، ضمن حركتين، وفي الأولى نقرأ : “دمّ على الإسفلت ، شرش واستشاط الرصيف، يئن تحت سقوط الجثامين عليه، صوت البلابل ضاع في صوت سيارات الإسعاف، وأزيز الرصاص صار صوت الريح والنسيم العصاري”.
وفي الحركة الثانية نقرأ لبطلة النص: “لسوناتا الروح صلّى ، وحين أراد أن يسري إلى سدرة اللون حاصره السكوت ، عينه قمر، وقمره عين على وطن لا ينام ولا يموت ، في حوش الدار من عمّان إلى رام الله أمدّ الروح حبلاً، فاعبري إليه يا شبابيك شبابي، يا مطلات عمري، يا لحن لحمي، يا كمان الكمنجات، وهيئي للحياة أجمل سوناتا الحياة”.
يختلف المونولوج عند غنّام غنام، كما أنه يخرج عن التقليدي في مسرحية الممثل الواحد من حيث تعدد مستويات اللغة، ومن حيث الاتكاء على المفردة المزدوجة المعنى، والبحث في قضية وطنية من خلال معاناة الشخصية الأساسية في النص، لقد أخذتنا عبر محطات مسرحية متنوعة ما بين فواصل الزمان والمكان عبر تعبيرات رومانسية تستشف منها دفء المفردة التي اختارها الكاتب بعناية شديدة ، من دون أن تثقل في أدائها الداخلي المتقن، ورقة وعذوبة التصوير المسرحي عن الحالات المتدفقة بمهارة عالية.
في الواقع، هذا الكتاب الذي يتضمن عشر مونودرامات تتمتع بالخصوصية وجمال الكتابة، وتدفق الأحداث هو مرجع لفن كتابة مسرحية الممثل الواحد، كما أنه يكشف لنا عن طاقات عربية لأجيال مختلفة من كتاب الوطن العربي، وهو ما يسجل ويحسب لسجل هيئة الفجيرة للثقافة والاعلام التي نجحت عبر أعوام قليلة في التأسيس لهذه المسابقة بمواصفاته االدولية في مجال تصدير نص مسرحي عربي خالص، مسابقة أصبحت تتمتع بخصوصية وهوية تميزها عما نشاهده من مسابقات على مستوى العالم العربي على أقل تقدير، لما تقدمه للمكتبة العربية من نصوص فلسفية، وأقلام تملك أدواتها وحرفيتها المهنية في فن من اصعب فنون، أشكال المسرح.