حوار - نجاح المساعيد:
شمس الشعر التي تعني الحقيقة وتعكسها، قبل أن تعني الدفء وتستخدمه كلاماً·· هوذا باختصار يعقوب الشامسي، بل الحوار مع الشامسي، لأن ما من مقدمات تختصر روعة آرائه ورؤاه في هذا الحوار، وما من مفردات تختزل تجربته الشعرية·
المتعة التي تخلفها قصائده الجميلة لدى المتذوقين، رديفتها: متعة محاورته والإنصات إلى حكمته ووعيه، كأنما الحكمة ورود يمكن لمسها··
تفضلوا إلى هذا الحوار القيم مع الشاعر الكبير يعقوب الشامسي، والمسوا ذلك بأنفسكم··
بداية، لعل هذا السؤال يجدي الشعراء الشباب والقراء الذين يتمتعون بموهبة نظم الشعر: كيف تمكن الشاعر يعقوب الشامسي أن يحقق هذا الحضور القوي والرصين في آن معاً في ساحة الشعر الشعبي في الإمارات والخليج؟
وبداية أيضاً، أعتقد أنني لم أتمكن من شيء·· لم أتمكن من تحقيق مكانة أو حضور له قيمة أدبية كبيرة، فأنا إنسان نظم الشعر في مراحل حياته، قرأ وتذوق وكتب الشعر، وأصبح ينضوي بذلك تحت لواء جيل شعري شاركهم هم الكتابة والشعر وكان من ضمن تعدادهم، وصار له جمهوره مثله كما شعراء ذلك الجيل الذي ينتمي إليه، وحقيقة لا أعلم إن كان جمهوري كبيراً أم غير ذلك·
وأقول: أنا مع من يتذوق الشعر بوعي ولا يقتاته بشراهة دون تذوق، كمن يبتلع تفاحة مثلاً!
ومع احترامي وشكري لرأيكم في سياق السؤال، يسرني أن يتذوق ويصفق لي قراء معدودون ربما على أصابع اليدين على أن يصفق لي الآلاف دون تقدير حقيقي لقيمة الشعر·· وربما هذه الفكرة ذاتها كانت إحدى علامات حضوري الشعري إن وجد·
من يتابع تجربتك الشعرية منذ التسعينات وحتى يومنا، يجد تطوراً ملحوظاً، سواء على صعيد تميز فكرة القصيدة نفسها، أو انتقاء المفردات أو تنوع البحور مع اختيار أصعبها، هل هو تحدي القدرات الشعرية الذاتية، أم نتاج المطالعة والاطلاع على تجارب الغير؟
كل الذي ذُكر صحيح، فهذا كله مجتمعاً أنا·· لأنني أقرأ وأتأثر ويتلون أو يتجدد شعري بحسب قراءاتي واطلاعي، فأرتقي عما كتبته من قبل، أتجاوزه بشكل إيجابي، بحيث لا أتجاهله وأتنصل منه، بل أتحول وأطرق لوناً ولغة وأفكاراً أعلى·· لأنني لا أريد تكرار نفسي بخاصة أن نتاجي قليل لأنني لست بشاعر مكثر في النشر، ولازلت لم أكتب قصيدة أرضى عنها، وأحرق بعض قصائدي التي أكتبها ولا أنشرها، لأن القصائد ليست رسائل دكتوراه لأحتفظ بها·
تألقت قصائدك خلال رحلتك الشعرية إلى حد بات اسمك يشكل رقماً مهماً في قائمة المتصدرين، أعرف أن همك ربما ليس الصدارة! فما هو همك الشعري - الإنساني؟
قلت لتوي إنني أحرق بعض قصائدي، لكن القصيدة أو الشعر نفسه هو همي الإنساني، فالقصيدة هي حب الشاعر ومعشوقته، كما الكرة معشوقة اللاعب، أو البحر معشوق النوخذة·· من هنا همي يتمثل في أن تكون القصيدة متربعة على القمة، سواء كتبتها أنا أو غيري من الشعراء، وأفرح كثيراً حين أجد من يقدم قصيدة رائعة، بل أنا حقاً أفتخر بقصائد لم أكتبها بل هي لشعراء آخرين·
أما مقاييس الصدارة! فأنا الذي أسأل: ما هي مقاييس الصدارة لديكم ولدى القراء؟ ومن هم الذين اختاروني للصدارة؟ وبناء على أية مقاييس؟
بالنسبة لي، ومع أنني أحترم تجارب شعرية عديدة وأثمنها، لكنني مثلاً أجد الصدارة في الشاعرين سالم بو جمهور القبيسي وسالم الزمر، ومقاييسي في ذلك أن تجربة كل منهما ثرية ومتنوعة، يتمتعان بالثقافة والوعي وكل منهما له لونه المميز وبصمته الخاصة·
بعد ديوانك الأول، جاء ديوان نسايم الريفهل عكس كل ما أردت قوله؟
ديواني وعود تناول مرحلة الثمانينات، وهي مرحلتي الشبابية حيث رحلة الإنسان مع العلم والسفر والاغتراب والتطلعات والمشاعر المتنوعة الخاصة بتلك السن·· لذلك عبّرعن كل ذلك ديواني الأول·
بينما نسايم الريف فيمكن القول إنه يمثلني ويمثل عشقي لوطني وللوالد زايد رحمه الله، اخترت حينها قصائد بعينها لها لونها وأسلوبها الخاص، بحيث كانت القصائد تبدأ بالوصف أو فن الوقوف على أطلال الطبيعة والحياة البيئية، كأن أبدأ بأبيات عن النخيل ووصفها وتعداد خيراتها، أو الصقور أو الخيول أو الزهور، أناجيها وأتغزل بها لأنطلق إلى الهدف الأسمى وهو حب زايد والثناء والولاء له رحمه الله، وبهذا يكون الديوان قد حاول التعبير بعض الشيء عن حبي العظيم لوطني وباني نهضته، لأن ما من قصائد يمكنها أن تفي بذلك·
تعددت الأغراض الشعرية في قصائدك بين الوطنية والاجتماعية والإنسانية والعاطفية، لكن ثمة تفوقاً لك في قصائد الوصف، أية علاقة وجدانية إن لم نقل تراثية تربطك بها؟
ارتباطي الوجداني بالبيئة -بيئة الإمارات- ارتباط عضوي كما ارتباطي بأمي وأبي··إذاً ارتباطي بالتراث يأتي من هذا الباب، فـ التراث ليس سكّراً يضاف إلى البن! بل هو البن ذاته التراث ليس وسيلة بل هو حقيقة، هو أساسي مثل لون جلدنا ومرتبطون به لأنه هويتنا، لذلك تشعرون ربما بأنه تفوق شعري فهذه التفاصيل مكررة في قصائدي، لأنني لا أملّ من الطبيعة والبيئة، لأنه لايُملّ من الوطن·
هل يعقل - من جهة أخرى- أن تكون النخلة رمزاً ما تمرره في شعرك، كأن تقصد بالنخلة امرأة ما مثلاً؟
ربما ·· لمَ لا ؟ هناك أشياء في الوجود ترمز إلى الإيثار والوفاء والإخلاص والعطاء، فالناقة والنخلة مثلاً ترمزان إلى كل ذلك، هما من بعض أسباب البقاء والاستمرار في الصحراء، هما كالأم الحنون، الرؤوم المعطاء·· لذا نجد تشابيه عدة للأم كأنها نخلة، والعكس صحيح فالنخلة أم وحبيبة معطاء مخلصة·
تشكّل الأمسيات الشعرية منبراً للتواصل مع الجمهور، هل ثمة فوائد أخرى لها سوى التواصل؟ بمعنى هل تشكّل نشاطاً ما تحرص على ممارسته بين حين وآخر؟
معظم الأمسيات كي لا أقول كلها، تأتي في إطار المهرجانات السياحية والمواسم التجارية التشجيعية!
ليس هناك مواسم أدبية، أو برامج ثقافية ثابتة في الدولة أو الإمارة، تعبّر عن حالة الأدب الشعبي والمشهد الثقافي، ليس هناك موسم يبدأ بتاريخ كذا وينتهي بتاريخ كذا يضم كل أصناف الأدب الشعبي من شعر وحكاية وقصة وباقي الأنماط المتصلة بالأدب الشعبي والتراث، كما مثلاً موسم الدوري وبطولة الأندية وغيرها··
أجد أن معظم الأمسيات الشعرية تأتي على هامش الأنشطة الفعالة الجادة، لذا أراني غير موفق في الأمسيات الشعرية، وأفضل التواصل مع الجمهور عبر القراءة سواء في ديوانٍ لي أو قصائد تنشر في الصحف والمجلات··إذ لا أخفيكم أن أجواء الأمسيات الشعرية تردت وباتت لها مؤثرات هبطت بها كالأداء التمثيلي والإعلانات والسيناريوهات والتصفيق والتشجيع وتوابل وترويج لا يحتاجه الشعر وأمسياته الجادة، بحيث يمكننا القول هذيان المجانين أعقل من بعض قصائد الأماسي!
بودنا أن نقف على رأيك في الساحة الشعرية المحلية، كيف تقيمها؟ وبالتالي كيف تنظر إلى واقع الحركة الإعلامية المصاحبة له؟
يتمتع أهل الإمارات بميزة حبهم للشعر تذوقاً وإبداعاً بالفطرة، فالشعر والشاعر له مكانته العالية لدى الناس·· لكن خلال عدة أجيال شعرية، لنقل أنها بدأت مع منتصف القرن الماضي، كان التطور تدريجياً ومنطقياً في عهد الشعراء المخضرمين أفضل بكثير مما هو عليه الآن·· في هذه المرحلة نجد أن المؤثرات الخارجية تحكمت بتغيير الشعر، فلم ينتقل كما السابق بطريقة منطقية طبيعية تعتمد على التطور الذاتي والداخلي والبيئي لأكثرية الشعراء الآن··لم يعد الشعراء -أنا هنا أتحدث عن غالبية- يعكسون معجمهم البيئي وقاموسهم المحلي ولهجتهم وتفاصيل تراثهم، بل صار شعر الأشقاء وتجاربهم ينعكس عليهم، ليس بشكل إيجابي، بل ينحو نحو تقليد الآخرين ليكونوا نسخاً مشوهة عن تجارب خليجية أخرى·
مثلاً ألاحظ ومع بالغ الود والتقدير للتجربة الشعرية السعودية ولنقل كذلك الكويتية، هناك من شعرائنا من يقوم بتقليد واستقطاب مفرداتهم وحالاتهم الشعرية دون اكتراث بهوية ذاتية تخصنا كإماراتيين معنيين بتقديم أنفسنا وشعرنا نحن·· لماذا نقلد شعراء آخرين، طالما هم لم يقلدونا ولم يقلدوا سواهم؟
علينا أن نطرح نموذجنا الشعري الخاص بنا الذي يعكس تاريخنا وتراثنا وكذلك نهضتنا وقيمنا وتطلعاتنا، لا أن نعكس صورة أخرى عن فنون وإبداعات الغير·
بالنسبة للحركة الإعلامية، فمع الإشادة بجهود كثر في وسائل الإعلام سواء سابقاً أو حالياً، إلاّ أن الأمر ذاته ينطبق على الحركة الإعلامية، لأن جهودهم فردية، نحن نفتقد - للأسف - إلى وجود استراتيجية واضحة تطرح شعرنا وتراثنا بشكل لائق، حيث لاتتوفر مثلاً قناة فضائية متخصصة للثقافة·· بينما معظم المطبوعات أو الصفحات الشعرية عبر الحوارات ونشر القصائد تروّج غالباً لغير شعراء الإمارات - مع أنهم بالطبع محل ترحيبنا- لكنها لا تقدم المثل لشعراء الوطن ولاتأخذ بيد الشعراء الشباب·
إذاً تجد تقصيراً ما فيما يخص الدعم الرسمي، أو الأهلي الخاص للشعر الشعبي والشعراء في الإمارات·· فهل لديك اقتراحات ما، من شأنها الارتقاء بالشعر الشعبي المحلي؟
معاذ الله من التقصير في الإمارات التقصير منا نحن الأشخاص·· فالشعر في هذه الدولة الحبيبة يمثل الوالد زايد رحمه الله أعلى الهرم فيها، وهو شاعر الإمارات الأول·
من هنا·· ولأن الشعر الشعبي أيضاً هو أبرز ملامح الأدب والفكر والفنون الإبداعية، أرى أن يكف الشعراء عن التقصير ويلتقوا ليتوصلوا إلى صيغة جميلة لطلب إطلاق جمعية أو ديوانية للشعراء الشعبيين يلتقون فيها ويتواصلون من خلالها، تعكس آمالهم وقصائدهم وتجاربهم الشعرية·