أنا شاب في الثانية والعشرين من عمري وفي السنة النهائية في كليتي، منذ 6 أشهر قمت بخطبة قريبتي، وهي على درجة عالية جداً من الأدب والأخلاق والتدين·
وعلى الرغم من هذا حيث أني أسكن في بلدي في المدينة حيث ملابس الفتيات والعلاقة بين الجنسين متحررة جداً، عندما أرى هؤلاء الفتيات والشباب فبدلاً من أن أحمد ربي على ما أنعمه علي، أجدني أقول: ألم أكن لانتظر وكما يقولون لأعيش حياتي مثل هؤلاء، وبعد ذلك استقر وأتزوج حتى لا يحدث لي بعد ذلك ندم، لأني لم أقم، بمثل ما يقوم به معظم الشباب؟
وعندما أسمع أن فلاناً خارج ليقابل فتاة أتمنى أن أصبح مكانه، لا أعلم أي ندم هذا على عدم معصية ربي، لكني لا أستطيع أن أتوقف عن مثل هذا التمني، على الرغم من أن الله قد أغناني بالحلال·
وإني أشعر أني لا أستطيع أن أقاوم فتاة جميلة مثلاً أو شيئاً من هذا القبيل، فعندما أرى مثل هؤلاء الفتيات أقول: لو لم أكن خاطباً الآن لكنت مع واحدة منهن (لا أقصد اقامة علاقة غير شرعية، لكني أقصد الخروج للتنزه، أو شيئاً من هذا القبيل)، ولا أستطيع التوقف عن التفكير في مثل هذا الموضوع، مع العلم أن علاقاتي بالبنات كلها مقصورة على الزمالة·
وأظل أسأل نفسي:
هل أخطأت عندما خطبت في مثل هذا الوقت؟ هل كنت لانتظر؟ هل تسرعت؟ هل لم أكن مستعداً؟ هل كان يمكن أن أجد واحدة مثل أخلاق خطيبتي لكنها تفوقها جمالاً؟
مع العلم أن خطيبتي على قدر من الجمال، وإني أعلم أنه لا توجد فتاة كاملة، إن ضميري يؤنبني جداً، حيث أشعر أن الله سيعاقبني لأني لا أٍدر نعمه، حيث غيري يتمنى عشر ما أنا فيه، وأشعر أني أظلم خطيبتي التي تحبني بشدة، مع العلم أني أصلي الصلاة في أوقاتها، وأحاول غض بصري، والجميع يشهد لي بحسن الخلق، لكني لا أعلم ما الذي يحدث لي؟وهل ما يحدث لي ضعف ايمان؟ أم لم أكن مستعداً بعد للارتباط؟ أم هي حالة مؤقتة لصغر سني وستنتهي بالزواج؟
آسف جداً لأني أطلت عليكم، ولكن لقد تعبت من كثرة التفكير·
و· أ·س- دبي
هذه هي طبيعة النفس وخاصة في هذه المرحلة من العمر، فهي تريد كل شيء ولا تقنع بشيء، فحب الشهوات مركب فيها، يقول تعالى في كتابه العزيز: (زُيّن للناس حُب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسمومة والأنعام والحرث) (آل عمران: 14) فالنفس البشرية بطبيعتها تهفو وتتطلع إلى هذه الأشياء المذكورة في الآية وأولها النساء، ولكي تتوازن الأمور في هذه الحياة نقرأ الشطر الأخير من الآية، حيث يقول تعالى: (ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حُسن المآب)، ثم يزيد المعنى تأكيداً في الآية التالية مباشرة حتى تتعمق الفكرة في النفوس المؤمنة، فلا تجري وراء شهواتها بلا ضابط، ظناً منها أن هذه الشهوات هي كل ما في الوجود فيضيق إدراكها، ويتقلص وعيها، وتتوه في الجري وراء شهوات زائلة ومحدودة، يقول تعالى: (قُل أؤُنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد) (آل عمران: 15)، وهكذا يحدث التوازن للنفس، فتأخذ من الدنيا حظها فيما أحله الله، ولا تغرق في بحر الشهوات المزينة، فتغفل عما بعد ذلك من نعيم مقيم يستدعي رؤية أخرى تعلو فوق شهوات الدنيا وزينتها·
ولا نبالغ لو قلنا بأن هاتين الآيتين تلخصان قصة الانسان في هذا الوجود، فهو أمام شهوات مزينة إما أن يغرق فيها ويضيع عمره هباء، وإما أن يعلو عليها سعياً وراء لذات أعظم ونعيم خالد لا يحول ولا يزول، وفوق كل هذا رضا الله الذي يفوق كل لذة·
وأنت قد منّ الله عليك فأتاح لك فرصة الخطبة بفتاة جميلة ذات خلق رفيع تستطيع أن توجه مشاعرك كلها نحوها، فهي زوجة المستقبل وحبيبة القلب وشريكة العمر، وهي وسيلة لأن تعف نفسك عن الحرام، وكل ما تحتاجه أن ترضى بما قسمه الله لك لكي يبارك لك فيه·
ولكن النفس الأمارة بالسوء تريد لك شيئاً آخر، تريدك أن تتحرر من هذه العلاقة البناءة التي يرضى عنها الله، ويباركها الناس، وتعف بها نفسك، لكي تتوه في الطرقات تتبع هذه الفتاة أو تلك، وتعيش قصصاً من العذاب، وتتورط في الكثير من المعاصي والآثام بحثاً عن لذة هي أقرب للسراب، وتعيش حالات من التشتت الوجداني، فكلما تعلقت بفتاة وجدت من هي أجمل منها (أو انصرفت هي عنك) فسعيت وراءها ثم وراء غيرها، فكنت أشبه بمن يشرب من ماء البحر، فالساعي وراء الحرام لا يشبع أبداً، وكأن من عقاب الله له أن يسلط عليه شهواته لتستعبده·
وربما تسول لك هذه النفس الأمارة بالسوء أن التجارب العاطفية المتعددة وما فيها من عذاب وهجر ولقاء هي نوع من المتعة يجب ألا يفوتك، وهذا أيضاً وهم، والأجدى منه أن توجه مشاعرك نحو محبوبتك الحلال، ثم تستجمع طاقتك النفسية بعد ذلك لتحقيق ما تصبو إليه من نجاح في الحياة، فالعمر أقصر مما نتصور، ولا يحتمل أن نضيع منه سنوات في تجارب عاطفية فاشلة نندم عليها بعد ذلك، وتكون بمثابة نقط سوداء في حياتنا·
والنفس الأمارة ربما تعاود الخديعة مرة أخرى فتقول ذلك: خذ حظك من المغامرات والتجارب العاطفية لفترة من الزمن ثم استغفر عن كل ذلك في مرحلة تالية وتزوج، وهذه أمنيات خادعة لأننا لا نعلم متى نموت، فربما متنا أثناء رحلة الضياع في التجارب المحرمة·
وأنت محظوظ لو قارنت نفسك بزملائك من الشباب الذين حرموا هذه النعمة، ولا يدرون متى تتاح لهم فرصة الزواج في هذه الظروف الاقتصادية الخانقة، ويعيشون حالة من الحرمان العاطفي والجنسي تدفعهم أحياناً لعمل أشياء تؤلم ضميرهم، فيتقلبون بين الحرمان بين الحرمان والخطأ وعذاب الضمير·
إذن فأنت في نعمة تتطلب الشكر عليها، فأمامك فرصة للإشباع الحلال، ولكن نفسك تنظر إلى الخلف، وتريد حظها من الشقاء والعذاب والألم فلا تطع هذا الجانب من نفسك، بل استدع الجانب الخير منها، ودعِّمهُ لكي يقود مسيرتك بعيداً عن الأمنيات الكاذبة والشهوات ·
ومن الأشياء الملحوظة أن الانسان حين يسد عن نفسه منافذ الحرام يبارك الله له في الحلال، فأنت حين تعف نفسك عن جميع الفتيات يبارك الله لك في خطيبتك، فترى وتجد فيها كل ما تتوق إليه نفسك، وأنصحك بالتعجيل بالزواج حتى تغلق باب التردد والتمني أمام نفسك وتتفرغ لإنجازات مهمة تنفعك وتنفع أمتك·