بغداد - رويترز: لم يتمكن الشاب العراقي توفيق جميل، وهو سائق سيارة أجرة سابق من العثور على عمل منذ سقوط حكومة صدام حسين عام 2003 واضطر إلى بيع سيارته بعد الحرب لإعالة زوجته وسبعة أطفال وظل عاطلا منذ ذلك الحين· وعلى مدى الشهور أصبح وقع حياته مملا إلى أقصى حد، فهو يغادر منزله كل صباح ويسير إلى مقهى مجاور يجلس هناك يفكر في مستقبله حول أوراق اللعب مع شبان آخرين في مثل وضعه·وفي الفترة الأخيرة توصل هؤلاء إلى حل بعد أن بلغوا من اليأس الحد الذي دفعهم لتقديم طلبات للالتحاق بقوات الشرطة العراقية فيما يُعتقد أنه أخطر عمل في العالم· لقد حان الوقت لالتحاقهم· وقال جميل وهو ينفث دخان سيجارة أخرى 'تقدمت بطلب للالتحاق بقوات الشرطة هذا هو العمل الوحيد الذي أستطيع القيام به'· وأضاف بغضب وهو يشرح قراره 'اضطررت لبيع سيارتي بعد الحرب لانه لم يكن لدينا أي مال والآن نفد كل ما لدينا من مال ولم يعد لنا دخل كيف أطعم أطفالي'· وقال ثائر عون الأب لثمانية أطفال وهو جالس في المقهى نفسه ينتظر سماع ما إذا كان طلبه قد قبل 'أعلم انه عمل محفوف بالخطر لكنه أفضل من البقاء في البيت بجيوب خاوية· إن الراتب وهو 350 دولارا في الشهر يكفي لإطعام وكساء أسرة يصل عددها إلى عشرة أفراد'· وأضاف 'أي عمل في العراق قد ينطوي على خطر الموت·أعلم ان الالتحاق بالشرطة قد يؤدي إلى قتلي· وعلى امتداد الشارع الرئيسي في بلدة حمية على مسافة 60 كيلومترا جنوبي بغداد يجلس عشرات الرجال يحتسون القهوة أو الشاي وهم يفكرون في الأمر نفسه·
ولم يكن القرار سهلا، فعلى مدى العامين الماضيين قتل أكثر من ألف ضابط شرطة في عمليات إطلاق نار من سيارات وانفجار سيارات ملغومة وغيرها من هجمات المقاتلين· وليس هناك إحصاء دقيق، لكن بيانات أوردها موقع على شبكة الانترنت يرصد أعداد القتلى تظهر أن أكثر من 600 شرطي وجندي قتلوا في الأشهر الثلاثة الماضية وحدها· وعلى الرغم من المخاطر التي ينطوي عليها هذا العمل يظل الالتحاق بالشرطة أحد الخيارات الضئيلة المتاحة أمام الشبان للحصول على دخل·
وأظهرت مسح حديث أعدته وزارة التخطيط العراقية أن أكثر من 50 بالمئة من العراقيين لا يعملون وأغلبهم من الرجال الشبان المحبطين من انعدام أي تقدم في مرحلة ما بعد الحرب واليائسين من العثور على أي عمل· ومع تضاؤل فرصهم في الحصول على عمل في مصنع أو غيره إلى ما دون الصفر، نظرا لحالة الاقتصاد العراقي، أصبح العمل الأمني هو المجال الوحيد الذي يطلب عاملين· والرغبة في الالتحاق بالشرطة تأتي أساسا بسبب العائد المادي لكنها تتعلق كذلك بالكرامة فيقول بعض الرجال إنهم يشعرون بالتزام لحماية بلدتهم ولحماية بلادهم من المقاتلين·
وهذا أمر مفهوم إذ ان البلدة المعزولة واقعة في منطقة خطرة يطلق عليها اسم 'مثلث الموت' بسبب ارتفاع معدل الهجمات فيها شهدت على مدى العام الماضي سلسلة من عمليات القتل· وقال رئيس المجلس المحلي علي سلمان إن نحو 24 شخصا قتلوا هناك· ورغم أن الالتحاق بالشرطة قد يزيد بدرجة كبيرة فرص قتل الشباب إلا إنها قد تضمن لأسرته ما يكفيها للعيش·
وفي العام الماضي طرحت الحكومة العراقية المؤقتة السابقة قانون تعويضات يقضي بدفع مليون دينار (نحو 700 دولار) لأسرة من يقتل من أفراد الشرطة أثناء تأدية عمله مع راتبه كاملا حتى الموعد الذي كان سيبلغ فيه سن التقاعد (63 عاما)· ورغم ان المتقدمين للعمل بالشرطة لا يذكرون ذلك كثيرا إلا انه قد يكون حافزا أيضا· وقال الشاب عباس محمد 'ليس لدينا مصانع أو أموال والشرطة تدفع جيدا'· وأضاف 'بلدتنا أصبحت أكثر أمانا لكن الرجال هنا لا يعملون· أريد الالتحاق بالشرطة ولست خائفا، سأقوم بعمل جيد لبلدي كذلك'·