القاهرة ـ ماجدة محيي الدين:
ليس بالذكاء وحده ينجح الإنسان في حياته، لذلك تطالب الدراسات الحديثة الوالدين بالاهتمام باكتشاف قدرات الأبناء الإبداعية بدلا من التركيز فقط على قياس مستوى ذكائهم، لأن تنمية القدرات الإبداعية تقودهم إلى التفوق والتميز· وتؤكد الدكتورة ابتهاج طلبة، أستاذ المناهج وبرامج الطفل بكلية رياض الأطفال جامعة القاهرة، أن لدى كل طفل موهبة تختلف عن غيره وهي قدرات حركية أو فنية أو علمية· والأطفال في سن ما قبل المدرسة يتمتعون بقدر كبير من الذكاء، لكن المشكلة أن هناك قصورا في تنمية تلك القدرات التي يجب اكتشافها مبكرا في مرحلة 'الروضة'·
وتشير إلى أن دور 'رياض الأطفال' مؤثر في اكتشاف قدرات الأطفال، حيث يترك للطفل حرية الاختيار والحركة دون إلزامه بممارسة نشاط معين، إذ تكون أمامه خيارات متعددة ويكون هو المسؤول عن اختيار ما يحبه ويتوافق مع ميوله وقدراته؛ وعلى المعلمة أو المشرفة أن تقدم له باقي الأنشطة بذكاء من خلال برامج النشاط الموجه وتقدم معلومات ومعارف جديدة وتتيح له الحرية الكاملة ليختبر نفسه في أكثر من مجال·
تدعيم القدرات
وترى الدكتورة ابتهاج طلبة أن المرحلة التالية هي تدعيم تلك القدرات وتشجيعها، ففي العالم الغربي أقيمت المدارس المتخصصة للموهوبين والتي يتم فيها توجيه الطفل لزيادة قدراته في مجال ما، فهناك مدارس للجمباز الإيقاعي يتم فيها تدريب الموهوبين حركيا ورعايتهم من سن ثلاث سنوات حتى تتاح لهم المشاركة في المسابقات الأوليمبية وهم في عمر العاشرة أو الحادية عشرة، والشيء نفسه بالنسبة للأطفال الذين لديهم قدرات في الموسيقى أو الرسم أو التحصيل العلمي، أو الذين يتميزون بروح القيادة والقدرة على تكوين صداقات بصورة سريعة· وقالت أن كثيرا من الأطفال المبدعين يكرهون المؤسسة التعليمية التقليدية التي تتسم بالقيود والتركيز على التحصيل والحفظ، خاصة بعد اختفاء حصة الهوايات· وأصبحت الأسرة تسير وراء الأسلوب التقليدي، حيث يهتم الجميع بنجاح الطفل وانتقاله من مرحلة إلى أخرى دون الالتفات لما يجيده، مما قد يقتل لديه الكثير من القدرات· وتشير إلى أن اكتشاف قدرات الطفل الإبداعية وتنميتها، مسؤولية المعلمات في رياض الأطفال، كما تعتبر ملاحظات الوالدين جزء أساسي ومكمل، وكذلك وسائل الإعلام ببرامجها المختلفة والنادي والمسجد والكنيسة·
الطفل الاستثنائي
أجرت الدكتورة هناء المرصفي، أستاذة الاجتماع بجامعة عين شمس، دراسة على عينة من الأطفال الذين يعانون بعض المشاكل في الدراسة، وتبين أن بعض هؤلاء الأطفال يتمتعون بقدر عال من الذكاء ومنهم 'عباقرة'، وأن سبب تأخرهم الدراسي أنهم يكرهون التفاصيل والحشو في كثير من المناهج الدراسية· وطالبت الدكتورة المرصفي بإنشاء مدارس خاصة للنابغين في مختلف المجالات·
وحول اتجاه كثير من الأسر إلى قياس مستوى ذكاء أبنائها في سن صغيرة، تقول د· هناء أن قياسات الذكاء وحدها ليست معيارا لقدرات الطفل الإبداعية، حيث أن معظم تلك الاختبارات تكون نتائجها غير دقيقة· وتؤكد أن أغلب الأسر لا تفكر في إجراء اختبار الذكاء إلا إذا كان الطفل يعاني إعاقة أو تأخرا في بعض القدرات، أما الطفل السليم الذكي فعلا، فقد لا ينال أي اهتمام بل قد تتسبب الأساليب التقليدية التي تفرض عليه لحفظ المقررات الدراسية في إعاقته وقتل رغبته في الاكتشاف· وقالت أن الذكاء وحده لا يدل على القدرة الإبداعية، فقد يكون الطفل موهوبا موسيقيا أو حركيا أو في الرسم لكنه لا يحقق معدلات ذكاء عالية· وتشير إلى أن بعض المدارس الخاصة بدأت إجراء اختبارات قدرات لأطفال ما قبل سن المدرسة، وهي مسألة مهمة خاصة أن هذه المدارس لديها إمكانيات عالية لتوجيه الأطفال في مجالات عديدة· وأكدت وجود دور للأسرة يتركز في الملاحظة وإتاحة الفرصة لإظهار القدرات وتنميتها بالتدريب والتوجيه على أيدي متخصصين سواء في المدرسة أو النادي أو في مركز خاص يرعى الموهوبين· وقالت أن 'اللعبة' التي نقدمها للطفل أداة مهمة لرصد مدى تجاوبه واهتماماته، ويجب على الأم أن تقرأ جيدا الملاحظات المكتوبة على اللعبة قبل أن تقدمها لابنها، وأهم تلك الملاحظات أن تكون مناسبة لعمره بحيث لا تكون أكبر فتسبب له إحباطا ويكرهها أو أصغر فيشعر بالتفاهة والملل· ومن خلال اللعبة يمكن أن نكتشف أن الطفل يحتاج إلى لعبة متطورة وأكبر من عمره الحقيقي، أو أنه يسعد بنوعية معينة من الألعاب التي تحتاج لتركيز ذهني·
مؤشرات التميز
ويشير د· يسري عبدالمحسن، أستاذ الطب النفسي جامعة القاهرة، إلى أن هناك مؤشرات أساسية تدل على أن الطفل لديه قدرات متميزة، منها: القدرة اللغوية والقدرة المنطقية والرياضية والذكاء الموسيقي والذكاء المكاني والذكاء الفضائي والحركي والذكاء الشخصي، حيث يتميز الطفل بفهم جيد لذاته وللآخرين، وأن التعامل مع هذه المهارات والقدرات يحتاج إلى الانتباه من الوالدين والمشرفين في دور الحضانة ورياض الأطفال· وأوضح أن اكتشاف الموهبة اللغوية قد يبدأ بملاحظة أن الطفل كثير الكلام حتى أنه يلهو وهو يتكلم، وأنه أحيانا يؤلف لغة خاصة به، أو يلتقط بعض الجمل من لغة أجنبية ويرددها، أو يحفظ مجموعة كبيرة من الكلمات يستمدها من التليفزيون أو من الآخرين· وقد يرغب الطفل في تأليف القصص، مما يدل على حالة تملك قدرات إبداعية يجب الاهتمام بها وتشجيعها من قبل الأسرة والمدرسة، وكافة المؤسسات المسؤولة عن الرعاية والتنشئة· وقال أنه في حالة الطفل الموهوب لغويا سوف نلاحظ بمرور الوقت أنه يتعلم القراءة مبكرا وغالبا من تلقاء نفسه، ولكن من المهم أن نقرأ له كل ليلة قبل أن ينام· وعندما يصبح قادرا على القراءة بنفسه، نمنحه كتبا مناسبة ونتجاوب مع كل ما يرويه أو يكتبه ونشعره بأننا فخورون بتقدمه·
وتقول الدكتورة مديحة الصفتي، أستاذة الاجتماع بالجامعة الأميركية، أن الأم بعد أن ترصد تميز ابنها في مجال ما، لابد أن توفر له الرعاية الخاصة لينمي هذه المهارات والقدرات عن طريق تنبيه مدرسيه في مرحلة الحضانة أو أن تعهد به إلى أحد المتخصصين في مجال مهارته· وأضافت أن الطفل المتميز يحتاج إلى مدرس متميز يتعامل معه بشكل غير تقليدي ويتفهم طبيعته ونشاطه، فإذا كان الطفل يتمتع بقدرات خاصة في الرسم أو العزف على آلة موسيقية أو تكوين أشكال فنية مبتكرة، فلابد من مدرس له القدرة على التعامل مع هذا الطفل، وهذه النوعية من المدرسين نادرة إلا في بعض المدارس الخاصة· وللأسف! فقد غاب دور المدرسة التربوي واقتصر على حفظ المناهج الدراسية، وهذا لا يخلق أجيالا من المبدعين· وتشير د· مديحة الصفتي إلى أن التليفزيون ووسائل الإعلام يمكن أن تساهم في تنمية قدرات الطفل من خلال برامج تبسيط العلوم وتعليم الأطفال بعض المهارات اليدوية والفنية، لكن للأسف هذه النوعية من البرامج نادرة وغالبا ما تكون منقولة عن برامنج أجنبية ولكن بصورة هزيلة·