السعد عمر المنهالي:
أخيرا انهار آخر صروح الإصلاحيين بعد جهود مضنية استمرت لثماني سنوات حاولوا خلالها أن يحفروا لأنفسهم مكانا على خريطة إيران السياسية· وليس أدل على هذا الأمر من سقوط آخر حصونهم السياسية في مؤسسة الرئاسة -بعد سقوطهم المدوي في الانتخابات البلدية ومن ثم التشريعية- على يد الرئيس المنتخب الجديد 'محمود احمدي نجاد'· ويبدو أن السقوط الذي شهده الإصلاحيون أخيرا بهزيمة مرشحهم رفسنجاني في الانتخابات الإيرانية الأخيرة لم يهو بهم وحدهم، إنما أيضا بالأوروبيين الذين ما زالوا يصرون على إمكانية استمرار نجاح المفاوضات بين بروكسل وطهران حول الملف النووي الإيراني!!·
فبالرغم من أن مساحة التباين حول الملف النووي بين المرشحين الإيرانيين للرئاسة كانت غائبة تقريبا -حسب ما كان قد أعلنه 'نجاد' خلال حملته الانتخابية من قوله 'سنواصل المفاوضات مع الاتحاد الأوروبي من أجل الدفاع عن حقوق شعبنا'-، إلا أن ما أطلقه المرشح في موقعه الإلكتروني بقوله 'إن من حق إيران إنتاج قنابل نووية إذا أرادت ذلك' اظهر شكلا آخر في لغة التحدي التي كانت الدبلوماسية الإيرانية تتحاشاها في التعامل مع بروكسل وجنيف على عكس ما كانت تفعله بعض المؤسسات في طهران، الأمر الذي دفع الأوروبيين إلى حالة القلق التي تعيشها بعض العواصم الأوروبية منذ إعلان فوزه·
المعتدلون·· وداعا
سعت الحكومة المتمثلة في مؤسسة الرئاسة وعلى رأسها الرئيس 'محمد خاتمي' منذ البدء في المفاوضات مع الأوروبيين التعامل بحذر شديد مع الأمر، فكانت اللهجة المهاودة واضحة في الخطاب الإيراني الرسمي، وذلك ما يمكن ملاحظته جليا من كافة خطابات مؤسسة الرئاسة، فقد كانت الصيغة الرسمية المستخدمة تكاد تختلف كليا عن صيغة المتشددين سواء على منابر المساجد أو النواب في مجلس الشورى الإيراني، كما فعل في التاسع سبتمبر 2004 عندما نادى مجلس الشورى الإيراني بعدم تصديق بروتوكول التفتيش المفاجئ على منشآت إيران النووية، ووصل الأمر في دعوتهم إلى التلويح بطرد مفتشين الوكالة في حالة إصرارها على الضغط على طهران· ولهذا يمكن إدراك سيطرة المحافظين من جديد على مؤسسة الرئاسة إلى ماذا سيؤدي، فالموقف سيشهد تصعيدا في اللغة المستخدمة في طهران التي طالما سعت سابقا إلى استخدام صيغة توافقية!·
علاقة الأوروبيين بالتيار الإصلاحي في إيران أخذت في الصعود مع بروز التيار الإصلاحي في إيران منذ عام 1997 ونجاح خاتمي بأغلبية في انتخابات الرئاسة لتلك السنة، ولهذا كانت الإشارات الايجابية بين عواصم بعض الدول الأوروبية وطهران تأخذ في التنامي، فقد أصرت بعض القوى الأوروبية أن دعم الإصلاحيين في إيران هو المدخل الوحيد لإحداث تغيير حقيقي في تلك البقعة من العالم، ورغم هذه القناعة إلا أن تحركاتهم كانت مترددة ولم تقدم للإيرانيين سيما الإصلاحيين منهم يدا قوية لانتشالهم من نفوذ المتشددين المحافظين المسيطرين على المؤسسات الفاعلة في الحياة السياسية الإيرانية·
استغل الأوربيون رغبة التيار الإصلاحي -المعتدل أو الانفتاحي- في إغلاق ملف العزلة الذي لف سجل علاقات الجمهورية الإيرانية منذ قيام الثورة الإسلامية عام 1979 مع الغرب، ففرضوا جدول أعمال تتحرك بموازاتها العلاقات بين الطرفين، غير أن الملفات المعروضة على الأجندة كانت تتغير في أولويات المفاوضات والطرح حسب معطيات الواقع الدولي·
غير أن ملف حقوق الإنسان كان دائما أكثرها حضورا بحكم الاهتمام الأوروبي بالحريات الأساسية، ولكنه ليس الأكثر إلحاحا كملف التجارب النووية، كما أنه ليس الوحيد بجانب ملف الإرهاب وعملية السلام في الشرق الأوسط·
ورغم وضوح أطر الحراك بين الطرفين إلا أن السنوات الثماني الماضية أكدت على صرامة النظام السياسي الداخلي الإيراني وعدم تقبله لأية حالة تغيير ممكنة حتى لو جاءت بدفع من تيار سياسي كنت نسبة تأييده على الصعيد الشعبي غالبة، وهي صرامة ازدادت قوة مع غياب أي اثر مباشر وإيجابي على حياة المواطن الإيراني، كما أن قيم الحرية والعولمة غدت غير قادرة على إثارة شهية الإيرانيين، ولهذا كان انتخاب 'محمود أحمدي نجاد' ليصبح رئسا للجمهورية الإسلامية بدون شعارات الحرية والعولمة والانفتاح·
كان الاقتراع الذي جرى في الرابع والعشرين من يونيو 2004 والذي حصل فيه 'محمود أحمدي نجاد' على منصب رئيس إيران المنتخب بأكثر من 61 بالمائة من أصوات الناخبين التي وصلت نسبة مشاركتهم 60 بالمائة من الإيرانيين اللذين يحق لهم حق الاقتراع، تأكيدا على ما وصل إليه الشعب الإيراني من تشبع حول كل ما يقال من عوائد العولمة والانفتاح على الغرب· فقد كان البرنامج الانتخابي الذي أوصل الرئيس 'محمود نجاد' إلى سدة الحكم لا يحمل صيغ توافقية أو مهاودة تجاه 'الآخر' سيما الغرب، فاللغة المستخدمة -سواء طيلة حملته الانتخابية وبعد فوزه أثناء المؤتمر الصحفي الأول له الذي عقده في السابع والعشرين من يونيو 2005- كانت رائحة التحدي فيها نافذة بدرجة كبيرة·
فإن كان 'نجاد' قد أكد مواصلة البلاد مفاوضاتها مع الأوروبـــــيـــــــــــــــين بشأن البرنامج النووي، إلا أنه أكد في حديثه ذاته وفي جملة سابقة أن استمرار إيران في برنامجها النووي حق لا جدال فيه· وبخصـــــــــــــــــوص الانفتاح على الغرب أغلق الباب مرة ثانية في وجه الولايات المتحدة الأميركية بعد أن حاولت القوى المعتدلة مسبقا أن تجعله مواربا، فقال في نفس المؤتمر أن بلاده 'ليست بحاجة للعلاقات مع واشنطن·· وأنها ستعمل مع أي بلد لا يبدي تجاهها نزعة عدائية'·
أوروبا··والحبل
كان إعلان طهران الرسمي -في الحادي والعشرين من سبتمبر 2004 بفيينا- بتحويلها كميات من راسب اليورانيوم بمثابة التأكيد على إصرارها تنفيذ وعيدها، رغم كل ما تعرضت له من تهديدات بعقوبات اقتصادية مع دول الاتحاد الأوروبي وبالتالي عزلة دولية شبه كاملة، أو تعرضها لضربة عسكرية كما تلوح تل أبيب، أو تحويل الأمر إلى مجلس الأمن كما تصر الولايات المتحدة الأميركية، وهذا ما يؤكد على قوة الجانب الإيراني الذي دخل المفاوضات مع الأوروبيين وهو قد تخطى مرحلة مهمة وحساسة من مراحل تخصيب الوقود النووي· كان هذا منذ تسعة اشهر، فكيف حال الإيرانيين الآن؟!·
بالتأكيد يدرك تماما الأوربيون هذا، ولذا فإن قطع الحبل في العلاقة بينها وبين طهران ليس لصالح أي من الطرفين، بل إن أول تأثير مباشر لهذا القطع سيقع مباشرة على أوروبا والولايات المتحدة، ولذا فقد كان تصريح المستشار الألماني 'غيرهارد شرودر' في أعقاب انتخاب 'محـــــــمـــــــــــــــــــــود أحمدي نجاد' مباشرة -وأثناء زيارة المستشار الألمــــــــــــــانــــــــــــــــــي لـــــــواشنــطـــــــــــــــن في السابع والعشرين من يونيو الماضي 2005- مؤكدا لهذه الحقيقة بطريقة غير مباشرة، بقوله لصحفيين المرافقين له حول إمكانية فرض عقوبات على إيران، إن هذا الحل غير مقبول، وذلك للفته إلى الدور الحيوي لإيران بسبب مخزونها النفطي، مشيرا إلى أسعار النفط المرتفعة· وفي هذا إشارة إلى أن الأوضاع العالمية في أسواق النفط تجبر على اتخاذ دبلوماسية خاصة تجاه إيران وأن أي عقوبات قد تفرض على طهران ستضر الاتحاد الأوروبي أكثر من إيران نفسها!·
غير أن الجديد الذي أضافه 'شرودر' هو طرحه حول إمكانية قيام الاتحاد الأوروبي تقديم مقترحات جديدة على طهران لتحريك المباحثات النووية في الجولة القادمة المزمعة بين الطرفـــــين· وهو ما رفضــــــه 'خافيــــير سولانا' منسق الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبـــــي، معتبرا أنه لا يوجد سبب لتغيـــــير ما تم التوصل إليه في اجتمـــــاعات مايو 2005 في جـــنيف· فقد كانت طهران قد وافقت على تعليق الأنشطة النـــــووية علــى أن يقدم الأوروبيون مقترحاتهم في نهاية يوليو وأوائل أغسطس ،2005 فهل سيلتزم الإيرانيون بهذا، أم أن انتخاب 'محمود احمدي نجاد' سيعيد إيران ثماني سنوات للخلف؟!!·
العودة إلى البداية
جاءت دعوة الرئيس المنتهية ولايته 'محمد خاتمي' للرئيس الجديد وحكومته 'بألا يبدأ من الصفر' في الصميم، كون التنازل عن مكتسبات المرحلة السابقة من عمر المعتدلين يعد نكسة حقيقية لمجمل مكتسبات الإصلاحيين من وجهة نظرهم، فهم يرون أن هناك مساحة فلحوا في تحقيقها من الحرية والانفتاح على الآخر، غير أن العودة للصفر تعني العودة كذلك في ملفات كثيرة سيما على الصعيد الدولي ومن أهمها على الإطلاق ملف تخصيب اليورانيوم والمفاوضات مع الأوروبيين في هذا الشأن·
ولعل عودة الملف إلى نقطة الصفر قد يفتح أبواب مجلس الأمن من جديد في وجه الإيرانيين، بعد أن كان أغلقه الأميركيون مكرهين لعدم توافق شركائهم عل المائدة الدولية لنفس الرؤى، فإن خسر الإيرانيون الرغبة الأوروبية في التحاور فسيكسب الأميركيين حليفا في مجلس الأمن، ولأن خيار مجلس الأمن غير وارد لصعوبة اتخاذ المجتمع الدولي عقوبات اقتصادية أو عسكرية ضد إيران نتيجة لما سيسببه الأمر لسوق الطاقة الإقليمي والدولي وما سيتبعه من مشاكـــــل للاقتصـــــاد العالمي يكون أول المتضـــــررين منه أوروبا والولايـــات المتحــدة··ـ وفي المقـــــابل فإن أي تحرك عسكــــري منفرد من جانب الولايـــــات المتحدة الأميركية سيكون بمثابة الانتحار السياسي للأميركيين بعد الفشل الذريع الذي يواجهونه في الجارة العراق·
يرى الأوروبيون من أمثال مفوض الاتحاد الأوروبي للعلاقات الخارجية 'كريس باتن' -وهو أحد الداعين إلى التقارب ومد أواصر العلاقة مع إيران لشد أزر الإصلاحيين- وذلك في فترة مبكرة من إدارة خاتمي بقوله 'إذا لم نتحاور مع العقلاء، فلن نجد أمامنا للتحاور سوى أناس أقل تعقلاً'، وهي المقولة التي تعتبر تنبؤا مبكرا لشكل العلاقات الممكنة الآن بين الإيرانيين والأوربيين·· فهل يترحم الأوروبيون على أيام خاتمي لاضطرارهم التحاور مع الأقل تعقلا؟!!·