الخرطوم ـ فيصل محمد صالح:
بعد غيبة استمرت 22 عاما، ووسط احتفالية كبيرة عاد العقيد الدكتور جون قرنق دي مابيور قائد الحركة الشعبية لتحرير السودان إلى الخرطوم أمس مفتتحا بداية فصل جديد من تاريخ السودان الحديث، يتولى فيه منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب·
ولن تكتمل صورة لوحة العودة إلا بمقارنتها بلحظة خروج قرنق من الخرطوم في مايو 1983التي كانت أشبه بالتسلل· فرغم أنه كان في إجازته السنوية من القوات المسلحة في ذلك الوقت، إلا أنه تكتم على سفره للجنوب الذي لم يعد منه، فقد كان يخطط للالتحاق بالعقيد المتمرد كاربينو كوانين بول الذي قاد تمرد الكتيبة 105 الشهير قبل أسابيع قليلة من ذلك التاريخ ودخل بها إلى الغابات القريبة من الحدود الإثيوبية·
كان العقيد الدكتور جون قرنق قد عاد قبل فترة قليلة من الولايات المتحدة الأميركية من دون أن يتوقف عن التفكير في أحوال الجنوب، فقد كان يرى الرئيس نميري يتراجع عن كل المكاسب التي حصل عليها الجنوب في اتفاقية أديس أبابا عام ·1972
وقرب الحدود الإثيوبية بدأت الحوارات بين عدد من القادة الجنوبيين من بينهم كاربينو وجوردون مورتات وجوزيف أودوهو، ثم انضم لهم جون قرنق الذي تسلل من الجنوب بعد وصوله في عطلته السنوية· وكان قرنق هو الأوسع أفقا وصاحب فكرة ضرورة التوصل لبرنامج سياسي يحكم مسار التمرد ويحدد أهدافه· وتصاعدت الحوارات بالفكر، والبندقية أيضا، حتى تم التوصل لإعلان ميلاد الحركة الشعبية لتحرير السودان وإصدار المانيفستو الأول عام ·1983
ويحب بعض أنصار نظرية المؤامرة القول بأن قرنق كان يخطط لهذه الحركة منذ انضمامه للجيش السوداني عام ·1972 فقد كان قرنق من بين العناصر القليلة المتعلمة في قيادة حركة أنيانيا التي كانت تقود التمرد الأول '1955 ـ '1972 · وقد التحق بالحركة في أواخر الستينات وعمل في سكرتارية قائدها جوزيف لاقو· ويقال إنه كان من بين المعترضين على اتفاقية أديس أبابا عام ·1972 وعندما بدأت لجنة استيعاب عناصر الأنيانيا في الجيش والخدمة المدنية كان طبيعيا ترشيح الضابط جون قرنق لوظيفة مدنية في القطاع الاقتصادي المناسب لتأهيله الجامعي· لكن -ومع دهشة الجميع- رفض قرنق العرض وطلب استيعابه في الجيش· وهكذا تم استيعابه في القوات المسلحة· ويعود اليوم العقيد الدكتور جون قرنق، المولود في مدينة بور بجنوب السودان، ليتولى منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية ويحتل مكتبه المميز بالقصر الجمهوري ومنزله الجديد بحي المطار، بعد أن كان آخر منزل يسكنه بالخرطوم بضاحية الحاج يوسف الشعبية شمال شرقي العاصمة المثلثة·