الأحد 31 مايو 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

الأسواق الشعبية القديمة حنين جارف

الأسواق الشعبية القديمة حنين جارف
16 يوليو 2005
دبي - محمد الحلواجي:
من منا لا يتذكر سحر الأسواق الشعبية في طفولته؟ تلك الأسواق المسقوفة أو المظللة بقطع الأقمشة البيضاء أو الملونة بعفوية هندسية بالغة، لتمر من خلالها أشعة شمس الصباح الباكر فتعكس دفئا وضوءا ناعما على الأرض والجدران، وتنفذ من خلالها نسمات الهواء الباردة تؤرجح القراطيس والأوراق بين أقدام الداخلين بنشاط للنزهة اليومية للسوق، ورحلة العمل اليومية التي لا ينغصها السأم أو الملل·· فقد كانت قلوب جميع الناس في تلك الأيام تقبل على ساعات النهار الأولى بفرح وحبور للقاء الأصدقاء والأحبة والعابرين، يدفعها في ذلك أمل كبير بالخالق الذي تسأله صباحا مفتوحا بالرزق الطيب الحلال والخير الوفير المنتظر، كي يسد رمق جوع الصغار ويكفيهم شر الحاجة ومذلة السؤال·
السوق·· وما أدراك ما السوق أيام زمان؟ حيث لم تكن هناك وسيلة ترفيه أجمل من المشي في ردهات الأسواق لتصافح العيون الجديد من البضائع العجيبة والطازج من الزاد والفواكه والخضروات، خاصة وأن بعض المحال تتميز بروائحها الجميلة الذي تختلط، فتصنع مزيجا عطريا أثيريا ينساب في الهواء بدءاً من رائحة الخبز الفائرة من التنور إلى رائحة الحلوى الممزوجة بطيب الهيل والزعفران وماء الورد ونفحات الأعشاب الطبيعية والعطور المتطايرة من محال العشَّابين والعطّارين، لذلك كله شكل الذهاب للسوق طقسا رائعا لآبائنا وأجدادنا البسطاء·
ففي وصف الحياة القديمة للإمارات، يذكر المصور البريطاني الراحل 'رونالد كودراي'، الذي اتخذ من الإمارات موطنا له عاش فيه أكثر من نصف قرن، أن بعض أبناء الإمارات وبخاصة البدو وسكان المناطق البعيدة عن المدن، كانوا يقطعون مسافات طويلة تمتد لآلاف الأميال مشيا على الأقدام أو على ظهور الجمال في وجهة ينتظرون الوصول إليه بفارغ الصبر، وهو السوق الذي يعد الدخول إليه مناسبة استثنائية يجري الاستعداد لها بشكل خاص، فتراهم يلبسون أجمل ما عندهم ويتطيبون بأفخر عطورهم قبل وضع أقدامهم على أرض هذا المكان الساحر العابق بنداءات الباعة، والأجراس والخلاخيل المعلقة في رقاب وأرجل الحيوانات أو إيقاع صرير عجلات عربات الحمالين التي كانت تعد الوسيلة الوحيدة للشحن والنقل·
وهكذا كانت الأسواق الشعبية مهرجانات حية دائمة وبخاصة في أيام المناسبات العزيزة، كالأعياد ومواسم الحج التي تكتظ فيه جنبات وأرجاء الطرقات الحميمة الضيقة بخطوات التجار والبائعين والحمالين والنساء والأطفال·
دكاكين من حجارة البحر
تعتبر الأسواق منذ القدم مركزا تجاريا لممارسة مختلف أوجه الأنشطة الاقتصادية وعرض منتج الصناعات والحرف المحلية، حيث كانت تتم في أسواق الإمارات القديمة عمليات البيع الشراء الكبيرة والصغيرة· فمن هذه الأماكن كان الناس يحصلون على السلع والخدمات التي يحتاجونها في حياتهم اليومية، حيث كانوا يشترون القليل أو ما يكفي فقط لاستخدام يوم فقط لظمان تناول المنتجات وهي طازجة وبخاصة اللحوم والأسماك والفواكه، نظرا لعدم وجود الثلاجات أو وسائل الحفظ الطويلة الأمد في تلك الأيام· وقد كان يتميز السوق في الماضي بتركزه في وسط المدينة ووقوعه قرب الشاطئ لتسهيل عمليات النقل منه وإليه· وقد تنوعت مباني الأسواق ما بين دكاكين مبنية من حجارة البحر المرجانية والجص وأخرى بسيطة مبنية من جريد وسعف النخيل والخيش أو الصفيح في الفترات المتأخرة·· وكانت غالبية المباني الحجرية مملوكة للحكومات المحلية لإمارات الدولة آنذاك، حيث كانت تقوم بتأجيرها للتجار والمنتفعين·
وقد ضمت الأسواق الشعبية القديمة مختلف أنواع التجارة الشعبية البسيطة في مجال 'البقالة' والأقمشة والعطارة والتنجيد وبيع الفحم والحطب والأعلاف الحيوانية والجزارة، كما كانت الخياطة والحدادة والحلاقة والصفارة من بين أبرز الخدمات المنتشرة آنذاك· أما الموازين التي كانت مستخدمة فقد أبرزها 'القبّان' والميزان ذو الكفتين، وأما أهم الأوزان الشائعة فقد تمثلت في وحدات من مثل 'المنّ' الذي كان يعادل أربعة كيلوجرامات و' الجاس أوالتشاس'، الذي يعادل نصف كيلو جرام، والربعة التي تعادل ربع 'التشاس' و'تشاس الصير' الذي يعادل ثلث 'التشاس'· وكانت الحكومة المحلية تقوم بمهام التفتيش على الأوزان بشكل دوري لضمان حقوق الناس ومنع التجار من الغش والتلاعب بالأسعار·
صدارة البقالة الشعبية
كان من الطبيعي أن تحتل محال البقالة الشعبية المقام الأول بين سائر أنواع التجارات في السوق، كونها كانت تبيع المواد الغذائية الضرورية التي لا ينقطع عنها الطلب كالأرز 'العيش' والطحين والسكر والحب 'القمح' والشعير والدهن والقهوة والسمن والملح، وغيرها من المواد الاستهلاكية البسيطة التي توفرها بشكل يومي· وإلى جانب المواد الغذائية، كانت تلك المحال تبيع بعض الأدوات والأدوية الشعبية ومواد الصيد على نطاق ضيق· ونظرا لصعوبة الأوضاع الاقتصادية وعدم توفر وسائل التبريد والتخزين المتطورة حينها، فقد كان عامة الناس يشترون المواد الغذائية بكميات صغيرة لسد حاجة الاستهلاك اليومي أو الأسبوعي، وقد كان بعضها يبيع بالدين أو ما كان يعرف 'بالسلف'· وقد كان الباعة يستعينون بأبنائهم لإدارة تلك المحال الصغيرة لتدريبهم على البيع وطريقة التعامل مع الزبائن، كما يعتمدون عليهم في إحضار وجبة الغداء من المنزل للدكان بعد صلاة الظهر، حيث اعتاد أصحاب تلك المحال عدم إقفال الدكان الذي كانوا يأخذون قيلولتهم فيها حتى صلاة العصر، وفي المساء كانت تقفل تلك المحال بشكل باكر ولذلك كانت تشهد ازدحاما نسبيا بعد صلاة المغرب·
خبز وحلوى و'صبيعات'
كان الخبازون يجمعون في الماضي غالبا بين الخبازة وصناعة الحلوى، كما كان بعضهم يصنع نوعا من الحلويات يطلق عليه اسم 'الصبيعات' إلى جانب 'الفقاع'· ومن أبرز أنواع الخبز الذي كانوا يقومون بخبزه: 'الخمير مع البيض أو المشاوا الوقّافي'، حيث كان يساعد الخباز معاون يقوم بعملية تكوير العجين ومدّه وتهيئته لإدخاله للتنور· وكان الناس الذين لا يخبزون في بيوتهم يرسلون أبناءهم لشراء الخبز من تلك المخابز، فكان الصبية الصغار يحملون في أيديهم 'مكبة من الخوص' ليوضع فيها الخبز· ولا يمكن نسيان المواقف الطريفة حين يزجر الأهالي ابنهم لأنه شوه الخبز عبر قطع أطرافه وأكلها وهي ساخنة شهية طوال طريق عودته للمنزل! وكان الخبازون يقومون هم أو مساعديهم أحيانا، بحمل 'جفير' قفّة ذات عروتين، تكون مصنوعة عادة من الخوص يتم ملؤها بالخبز الساخن ويجولون بها في طرقات المدينة وهم يصيحون: 'خمير الساخن·· خمير الساخن'·
كما تتم عملية بيع الخبز أحيانا بطريقة المقايضة، حيث يبادل بعض الأهالي الخبز بالبيض· أما الحلوى فكان يتم تحضيرها من النشا والماء والسمن البقري والزعفران والهيل بنسب دقيقة معينة في وعاء نحاسي كبير مثبت على تنور ذو درجة حرارة عالية عن طريق التقليب المستمر، وكانت الحلوى تؤكل غالبا في المناسبات كالأعياد وحفلات الأعراس أو عند قدوم الضيوف، وتسمى الصينية التي توضع فيها الحلوى 'الدست'· ومن العادات القديمة والطريفة التي كانت سائدة في تلك الأيام، قيام أحد الناس بشراء 'دست' كامل من بائع الحلوى ليتجمل أمام ضيوفه·· فيقوم البائع بوزنه ثم يسلمه إليه دون قبض ثمنه·· فإذا أكل الضيوف من أطرافه واكتفوا·· أعاده المشتري إلى البائع الذي يقوم بوزنه ثانية لتقدير الكمية التي استهلكت منه ليقبض قيمتها!·
الحلاقة ومواسم الغوص
كانت مهنة الحلاقة من المهن الموسمية في المنطقة ولكنها أثبتت وجودها على مر السنين كواحدة من المهن الرئيسية في السوق، فإلى جانب مهنته الرئيسية كان الحلاق يقوم بختان الأطفال في البيوت ويمارس الحجامة والعلاج بالكي لبعض الأمراض المستعصية، حيث يقوم الحلاق بوسم مواقع معينة في الجسم تبعا لتشخيصه للمرض المراد علاجه والذي يتطلب خبرة ودراية في مثل هذه الأمور· وعند قدوم مواسم الغوص، وفي ظل غياب الرجال عن المدينة يقل الكسب في مهنة الحلاقة تبعا لذلك، فيضطر معظم الحلاقون لإغلاق محالهم في فصل الصيف ويلتحقون للعمل بإحدى السفن المتجهة لمواقع صيد اللؤلؤ في عرض البحار·
تفصيل وتطريز 'الكنادير'
كانت الأقمشة ترد من الهند إلى دبي، ومنها يشتري تجار بقية الإمارات ما يكفيهم· وقد وجدت في الماضي أصناف كثيرة من الأقمشة القطنية والصوفية والحريرية، وكان 'الذراع' هو وحدة القياس المستعملة لقياس طول القماش قديما، ثم استعملت الياردة التي كانت تسمى'الوار' بدلا من الذراع كوحدة قياس· وقد اعتادت النساء على الذهاب لمحال الأقمشة، فكن يقفن في الأزقة الملاصقة للدكان حيث يجلب البائع لهن لفافات الأقمشة في مجموعات صغيرة لاختيار ما يروق لهن من الأصناف· وكانت مهمة تفصيل وخياطة الملابس منوطة بربّات البيوت حتى ظهرت حرفة الخياطة بالأجرة في الأسواق بعد وصول ماكينات الخياطة اليدوية في أوائل عشرينيات القرن الماضي، حيث اقتصر عمل الخياط في بعض الأحيان على تطريز حواشي ثياب الرجال 'الكنادير' التي سبق وأن قامت النساء بتفصيلها في البيت· كما كان بعض الخياطين يمتهنون إلى جانب عملهم في الخياطة·· بيع الثياب الرجالية كالغتر والأزر والشراشف وغيرها·
ملتقيات الشاي والطرب
تعتبر المقاهي حديثة الظهور نسبيا في الامارات، حيث تعود إلى أوائل عقد أربعينيات القرن الماضي·· وكان المقهى الشعبي يقدم لرواده الشاي و'القدو' (الشيشة الفخارية)، وبعض المشروبات الغازية وأشهرها 'النامليت'· وفي أوقات متأخرة نسبيا صارت بعض المقاهي المميزة تقتني آلة الجرامافون التي كانت تستخدم أسطوانات 'القار' السوداء الكبيرة لتبث بعضا من الأغاني والأصوات الخليجية، وخاصة لمطربي البحرين والكويت من أمثال محمد بن فارس ومحمد زويد وعبدالله فضالة وضاحي بن وليد، حيث كان يجتمع في المقهى كثير من الرجال والشباب لتجاذب أطراف الحديث وتبادل الأخبار وتمضية الوقت·
وقد كان يبلغ ثمن قدح الشاي في مقاهي زمان في البداية 'بيزة' واحدة فقط، وهي قطعة نقدية هندية من الفئة الصغيرة، ثم تضاعف إلى 'بيزتين'· وفي زمن الحرب (الحرب العالمية الثانية)، ارتفع ثمن قدح الشاي إلى 'آنتين' لدى أصحاب المقاهي الذين يشترون السكر من السوق· أما أصحاب المقاهي الذين كانوا يحصلون على السكر من الحكومة البريطانية (بالسعر المدعوم بالبطاقة التموينية)، فقد كانوا يبيعون القدح بـ ' تشرخي واحد أو آنة بومبي'· أما اليوم فقد تغير كل شيء فلم يعد السوق هو السوق ولم تعد المقاهي هي المقاهي ولا الرواد هم الرواد، لكن الحنين الجارف لتلك الحياة الجميلة والبهية لا يزال ماثلا في الكثير من القلوب، فهل سيعود شيء من ألق تلك الأيام وإن في احتفالات الأيام التراثية أو القرى التراثية التي يجب أن تصاغ اليوم بطريقة مختلفة في طريقة عرضها، وتقديم مرافقها ومحتوياتها للسياح أو الأجيال الجديدة من أبناء الإمارات والخليج لتواكب ما بات معروفا اليوم أيضا بالمتحف المفتوح في العديد من بلدان العالم·
المصدر: 0
جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©